المأزق الذي بلغته أزمة دارفور ليس بالفجائي. الاحتمالات المأساوية في المشهد المفتوح مرئية للعديد من العيون. الأطراف المتورطة في الأزمة والمعنية بمعالجتها تدرك حتمية المأزق الراهن وتداعياته المستقبلية، أكثر من عنصر سوداني وخارجي ساهم ويساهم في التصعيد المتنامي.

مسؤولية الأزمة تبقى سودانية صرفة، بناء مصد أمام العناصر الأجنبية يظل مهمة وطنية. أزمة دارفور صناعة سودانية أكثر من كونها خارجية، للدولة اليد الطولى دوماً في إطفاء أي نار داخل حدودها أو احتوائها قبل تصاعدها.

غالب القوى السياسية في السودان يلقي معظم تبعات الأزمة على النظام. هناك من يحمّله المسؤولية الكاملة بغض النظر عن محاكمة النظام أو القوى المعارضة، فالثابت تبديد فرص الأزمة قبل بلوغها المأزق الراهن.

مطالب أهل دارفور ليست عصية على الحل. ما من فصيل دارفوري رفع شعار الانفصال. كل مطلب دون ذلك يصبح أقل من كلفة الأزمة. إضفاء وضع الإقليم على دارفور يخفض هدر الأموال الطائلة على الماكينة البيروقراطية للدولة. منح أبناء دارفور منصباً في مؤسسة الرئاسة لا ينقص من سلطات رئيس الجمهورية أو هيبة حزبه الحاكم.

من المفارقة أن الحركة الشعبية وهي الشريك للمؤتمر الوطني شكت أكثر من مرة تجاهلها عند اتخاذ قرار رئاسي أو مصيري.

بغض النظر عن صدقية السلوك أو الشكوى، فإن ذلك لم يدفع سلفاكير نائب الرئيس لإحداث أزمة. مني اركو مناوي الذي توصل إلى اتفاق مع الحكومة في أبوجا شكا من التهميش حتى هجر العاصمة الخرطوم شهوراً. أكثر من خبير سوداني في القانون حذّر مبكراً من مغبة تبديد الفرص المتاحة ـ في حينها ـ لتجاوز جدار محكمة الجنايات الدولية. ثمة تقرير رسمي حكومي معروف ب«تقرير لجنة دفع الله» وضع في وقت سابق خارطة طريق لتفادي الاصطدام بمحكمة لاهاي.

دفع الله الحاج يوسف حقوقي مخضرم من داخل انتماءات القابضين على السلطة في الخرطوم. اللجنة شكلتها الدولة. النظام لم يأخذ توصيات لجنته على محمل الجد. فصائل دارفور شطت في مطالبها تصاعدياً. مدّ موسم المفاوضات فتح الأفق أمام استفحال الأزمة على الأرض والمساومات على الطاولة. لا أحد يبرئ انعكاسات التدخلات الإقليمية على الأزمة. ما من أحد ينفي تشابك المصالح الدولية في المنطقة. تعليق الأزمة أو استفحالها على العنصر الخارجي وحده يضر بالقضية ويفضي بالأزمة إلى درك أكثر قتامة.

طرد منظمات الإغاثة الأجنبية باسم السيادة الوطنية جاء في وقت بالغ الحرج من تضاعيف الأزمة. السيادة الوطنية قضية لا تقبل التجزئة. رفض الإغاثة حفاظاً على السيادة أفضل من طرد العاملين على توزيعها. الاتكاء على منظمات الإغاثة الوطنية كان متاحاً منذ البداية. التشكيك في مصداقية المنظمات الأهلية وتقاعس الجهات القادرة على المنح فتح الأفق أمام الخارج.

رغم الفرص المهدورة توجد فسحة من الأمل بغية الرهان على الخروج من المأزق. تبديد الفرص يحول مذكرة التوقيف أنشوطة حول عنق الوطن والنظام. ما من سوداني يرغب في تضييق الخناق على الوطن أو النظام. كل القوى السياسية تدرك أهمية الاستقرار الوطني خاصة في هذا المنعطف الحالي.