مع نهاية العقد الأخير من القرن الماضي، بدأ موضوع الشحّ المتزايد في المياه العذبة؛ يطرق الأبواب. تضافرت عوامل طبيعية وبشرية، لتضعه في قائمة المشكلات الدولية المتفاقمة، التي تنطوي على مخاطر جدّية؛ تهدّد حياة ملايين الناس. خاصة في المناطق التي أخذ يضربها الجفاف والتصحّر، بوتيرة متسارعة. في القلب من هذه القضية، تكمن مسألة «المياه العابرة للحدود».
ففي زمن بدأت فيه هذه السلعة الاستراتيجية الحيوية، تدخل دائرة الندرة وازدياد الحاجة إليها، يصبح التزاحم على مصادرها، عملية تحصيل حاصل؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من خطر تصاعد النزاعات، بشأنها. تعبير «حروب المياه»، القادمة؛ دخلت إلى التداول وصارت واحدة من مفرداته التي تثير المخاوف. تزايد القلق في كافة أرجاء العالم، أدّى إلى ولادة الدعوة إلى التلاقي؛ في مؤتمر دولي للتباحث في هذه المشكلة وتحدياتها، غير المسبوقة.
وكان المؤتمر الأول للمياه، في المغرب، عام 1997. ومنذ ذلك الحين ينعقد مثله، كل ثلاث سنوات. الخامس، أنهى أعماله، قبل أيام في، مدينة اسطنبول. وصار يوم الثالث والعشرين من مارس، لكل عام، يوم المياه العالمي. لكن حتى الآن، لم يثمر كل هذا الحراك عن أي تدبير عملي. المؤتمرات وأحياناً الاتفاقيات، كلها بقيت حبراً على ورق. تماماً كما جرى في مسلسل مؤتمرات الاحتباس الحراري، المتناسلة عنه، إلى حدّ بعيد، مشكلة المياه. العلّة والخطر هنا، كما في سخونة المناخ، تكمنان في القرار السياسي.
المياه المشتركة في العالم، ظاهرة مهمة ومعقدة. لها إيجابياتها الكبيرة، كما لها مخاطرها. وهي تتمثل بما يزيد على 215 نهراً كبيراً وأكثر من 300 بحيرة وحوض جوفي. الصالح للاستعمال البشري، لا يتعدّى 5,2% من كمية مياه الكوكب. تقرير أمين عام منتدى المياه الأخير، أشار إلى أن ثلثي سكان العالم سيعيشون في حالة نقص حاد في المياه، مع حلول 2025. الصورة القاتمة، تزداد سواداً عندما يضاف إليها ما تشهده بعض الأنهار والبحيرات، مثل النهر الأصفر في الصين وبحيرة تشاد ونهر كولورادو في أميركا، من هبوط كبير في منسوب مياهها؛ يصل أحياناً إلى حدّ النضوب. والعديد غيرها بدأ يعاني من مثل هذا النقص المتزايد، إما بفعل عوامل مناخية وإما بفعل بناء السدود؛ وحتى بتأثير الإفراط غير المبرر في استخدام المياه.
في ضوء هذه المعطيات وما بدا أنه طلائع أزمة عاتية في طور التكوّن؛ صوّتت الجمعية العمومية للأمم المتحدة، عام 1997، وبأكثرية 103 دول؛ على اتفاقية بخصوص «المياه العابرة للحدود». شدّدت على وجوب ترشيد الاستعمال وعلى القوانين التي تحدّد كيفية بناء السدود. حتى الآن لم تتحول إلى اتفاقية دولية ملزمة، لأن عدد الدول الموافقة والتي صادقت برلماناتها عليها؛ لم يبلغ بعد الـ 35. وهو العدد اللازم لذلك.
لكن المشكلة تتفاقم وتهدّد بكوارث. لتلافي انفجار نزاعات حولها، لا بدّ من وضع هذه الاتفاقية موضع التنفيذ ومن دون تأخير. كما لا بدّ من تعزيزها بميثاق دولي ملزم، يحظر حسم الخلافات المائية، عن طريق القوة؛ مع إنشاء الآليات اللازمة لفض النزاعات بالطرق السلمية. الأمن المائي حق كفله القانون الدولي، للفرد وللدول. المفتاح يكمن في التزام، بل إلزام، الجميع باحترام هذا الحق؛ تحت طائلة فرض عقوبات على المخالفين؛ ناهيك بالذين عاشوا على سلب هذا الحق، مثل إسرائيل، وحرمان أصحابه الشرعيين منه. وإلاّ فإن «حروب المياه» قادمة لا محالة.