بدأت إدارة الرئيس أوباما عملها في البيت الأبيض بغزل واضح مع إيران يميل إلى التهدئة ويستبعد تماما أي توجه لاستخدام القوة معها، ثم عادت الأمور تتصاعد من جديد ولكن بشكل أكثر هدوءا مما كان عليه الأمر في عهد إدارة بوش الابن الذي لم يتنازل عن التهديد بالضربة العسكرية لإيران حتى آخر أيامه في البيت الأبيض، أما أوباما الذي شدد بعض الشيء في انتقاده لإيران مصمما على تجديد العقوبات عليها لعام آخر فلم يتراجع عن دعوة إيران للمشاركة في المؤتمر المزمع انعقاده في نهاية الشهر الجاري حول أفغانستان.
وتزامنت هذه الدعوة مع الطرح الذي طرحه اثنان من «كهنة» السياسة الخارجية الأميركية هما مستشارا مجلس الأمن القومي الأميركي الأسبقان زيبغينو بريجنسكي وبرنت سكوكروفت أمام لجنة العلاقات الخارجية الأميركية بمجلس الشيوخ الأسبوع الأول من شهر مارس الجاري حول الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران، والذي طالبا فيه بفتح حوار مباشر مع إيران «بدون أية شروط أو قيود زمنية».
وطالب بريجنسكي إدارة أوباما بالتخلي تماما عن أسلوب التهديد مع إيران وعدم اتهامها بالإرهاب، كما طالب بالسعي بجدية لإشراك إيران في كافة قضايا المنطقة، وأكثر من ذلك اتفق بريجنسكي وسكوكروفت على أنه لا توجد أية أدلة توحي بأن إيران تسعى لامتلاك السلاح النووي، ومن هنا جاء حث الحكومة الأميركية على أن تساعد إيران في برنامجها النووي وتقدم لها اليورانيوم المخصب.
بعد هذه الجلسة في مجلس الشيوخ بأيام قليلة، وفي جلسة لجنة القوات المسلحة أمام نفس المجلس يوم الثلاثاء العاشر من مارس أدلى مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية دينيس بلير ومدير وكالة المخابرات الدفاعية الجنرال مايكل ميبلز بشهادتيهما اللتين أكدا فيهما على أن إيران ليس لديها حتى الآن أية نية للحصول على اليورانيوم عالي التخصيب ولم تقرر المضي في برنامجها النووي العسكري ولا توجد لديها حتى الآن أية منشآت لإنتاج اليورانيوم عالي التخصيب.
كل هذا الكلام نشرته وسائل الإعلام في الأيام القليلة الماضية، وعلى ما يبدو أنه متعمد نشره ليصل للإيرانيين، وعلى ما يبدو أيضا أنه وجد استجابة من قبل طهران، حيث صرح الناطق الرسمي باسم الحكومة الإيرانية غلام حسين إلهام بأن طهران تنظر بجدية في الدعوة الأميركية للمشاركة في المؤتمر حول أفغانستان لأنه يهمها الاستقرار في هذا البلد.
هذه السياسة الأميركية الجديدة تجاه إيران يصعب تفسير أهدافها في الوقت الحاضر، إلا أنها لا تبشر بالخير بالنسبة لأطراف أخرى كثيرة، منها الدول الخليجية والعراق أيضا، ومنها أيضا روسيا التي تحملت الكثير بسبب تعاونها النووي السلمي مع إيران وتخشى أن تأتي واشنطن بعد كل هذا وتسحب البساط من تحت أقدامها وتطردها من السوق النووية الإيرانية التي كافحت موسكو كثيرا من أجل البقاء فيها.