دمشق.. الرياض.. القاهرة، كانت هذه العواصم الثلاث إلى وقت قريب تمثل «رمانة الميزان» في عالمنا العربي وكان تحركها يشكل «ثورة» وسكونها يمثل «وثبة»، وكلامها يعبر عن «غضبة»، وسكوتها يقتضي «حكمة».

القاهرة.. دمشق..الرياض، الأولى «لا حرب بدونها»، والثانية «لا سلام بعيدا عنها»، والثالثة (قبلة الجميع، موحدة الصفوف ومؤلفة القلوب). الرياض..القاهرة..دمشق، ثلاثي أفسده التعصب للرأي والتشدد في المواقف وعدم امتلاك أدوات الاختلاف والانسياق وراء حملات إعلامية الخاسر الوحيد منها هي العواصم الثلاث. الكويت..الرياض..القاهرة ..دمشق،الأولى استضافت القمة العربية الاقتصادية وحفزت ودفعت وسوقت للمصالحة العربية، والثانية أول من استجاب وطرح على الفور مبادرة لمصالحة عربية شاملة تتجاوز الخلافات وتعلو فوق الصغائر وتنتصر للمصلحة العربية، والثالثة أيدت ودعمت وطالبت بأن تكون مصالحة حقيقية مبنية على أسس سليمة وقناعات راسخة وأن تسبق الأفعال الأقوال وأن يتم الاتفاق على قواعد محددة للمصالحة يتم الالتزام بها، والرابعة تلقفت الرسالة وسعت إلى العودة للحضن العربي والعودة للمثلث المرعب الذي كان مجرد اجتماع قادته يجعل الكثيرين يبحثون في أسباب ذلك لفترات طويلة.

صياغة أسس جديدة

اجتمع مبارك والأسد والصباح في ضيافة خادم الحرمين الشريفين لإعادة تشكيل وصياغة أسس العلاقة فيما بينهم من جديد على أسس سليمة لتحسين الأجواء العربية ودفع عملية المصالحة العربية وتقليل الهوة بين العواصم والأنظمة العربية تلك الهوة التي اتسعت وتعمقت خاصة أثناء الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة والتي ظهر فيها العالم العربي منقسما على نفسه فريقا بدا وكأنه يتاجر ويزايد على القضايا العربية ودماء الشهداء الفلسطينيين لصالح أجندات خارجية، وفريق آخر ظهر وكأنه يتآمر على قضايا أمته بل ويتعاون مع العدو في إعتداءاته الوحشية على الفلسطينيين العزل في قطاع غزة.

بالطبع الأمر لم يكن هذا ولا ذاك، وإنما الخلافات العربية وفشلنا حتي في الاختلاف فيما بيننا وعجزنا عن أن نصنع قواسم مشتركة وتفاهمات واضحة واعتمدنا على الحرب الإعلامية والأبواق «الحنجورية» وتبادل الاتهامات بل والسب والقذف في كثير من الأحيان والذي عمق الخلافات ورسخ الانقسامات وولد شعورا بأن الانقسامات العربية مستعصية على الحل وخلق قناعة لدي الرأي العام العربي من أنه لا فائدة من الحكام العرب وأن الشعوب في واد والأنظمة في واد أخر وهو ما تسبب أيضا في خلق حالة من العجز العربي وزيادة الشعور بالقهر والاضطهاد.

لكل هذه الأسباب وغيرها، كانت قمة الرياض الرباعية العربية بالغة الأهمية حتى يستعيد القادة العرب ثقة شعوبهم فيهم وثقة الرأي العام العربي الذي كفر بأنظمته ومل وعودهم، قبل أن يستعيدوا ثقة المجتمع الدولي.

أجواء طيبة

في البداية، أعرب سفير مصر الأسبق في سوريا السفير محمود شكري عن اعتقاده في وجود نوايا لدي قادة الدول العربية في أن تعقد القمة العربية المقبلة نهاية شهر مارس الجاري بالعاصمة القطرية «الدوحة» في أجواء طيبة وأوضاع جيدة، مشيرا إلى وجود قناعات عربية بذلك خاصة وأن الاجتماع الذي استضافته الرياض عقد بعد تشاور مكثف بين العواصم الأربع ولم يوجد أي شئ تم فرضه على أي طرف من الأطراف .

ولفت إلى أن البيان الصادر عن القمة، أكد على أن الاجتماع عقد في أجواء إيجابية وأن القادة حرصوا على التعامل بشفافية ووضوح وصراحة. وقال:إنه من المفترض أن يتم حل جميع الخلافات العربية وألا يسمح للخلافات أن تؤثر على العلاقات العربية والأخوية والتعاطي معها بمنتهي الصراحة بما يحقق المصالح العربية.

وحول عدم مشاركة قطر في القمة وما قيل عن وجود تحفظات مصرية على عدم مشاركتها، وتأثير ذلك على تحقيق المصالحة بين مصر وقطر وانعكاساته على القمة العربية بالدوحة، نفي شكري أن تكون هناك تحفظات مصرية على مشاركة قطر، لافتا إلى أن الخلافات بين القاهرة والدوحة هي خلافات شكلية وليست هيكلية، مستبعدا أن يكون لهذه الخلافات تأثير على مشاركة مصر في القمة العربية الدورية بالدوحة نهاية الشهر الجاري .

وشدد على أن قمة الرياض سيكون لها انعكاسات كبيرة على المصالحة الفلسطينية في القاهرة، موضحا أن سوريا ساعدت على تحريك مواقف بعض الأطراف وخاصة حماس والجهاد ولعبت دورا ايجابيا في إقناعهما بالانخراط في المصالحة والاستمرار فيها.

أما فيما يتعلق بتأثير القمة على مستقبل عملية السلام خاصة وأن الدول العربية قد أعلنت خلال قمة الكويت الاقتصادية التمسك بمبادرة السلام العربية في الوقت الذي قال فيه الرئيس السوري بشار الأسد أن مبادرة السلام العربية قد ماتت، عبر سفير مصر الأسبق في دمشق محمود شكري عن تشاؤمه إزاء مستقبل عملية السلام في الشرق الأوسط في هذا الوقت نظرا لأن الوضع الداخلي في إسرائيل غير مطمئن وغير مشجع بعد وصول نتانياهو لرئاسة الوزراء وفشله حتى الآن في تشكيل الحكومة الإسرائيلية .

صعوبات مسار التسوية

وقال: إن ما يزيد الأمر سوءا وصعوبة إذا ما تم بالفعل تكليف اليهودي المتطرف إفيجدور ليبرمان رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» كما يقال لحقيبة وزارة الخارجية، وأنه من المتوقع عندها أن تشهد عملية السلام انتكاسة كبيرة على الرغم من وجود بعض الضغوط من الإدارة الأمريكية الجديدة على إسرائيل، إلا هذه الضغوط لن تجدي مع حكومة بهذه الدرجة من التطرف.

ومن جانبه، أكد أمين العلاقات الخارجية بالحزب الوطني الديمقراطي المصري الحاكم في مصر الدكتور محمد عبد اللاه أن قمة الرياض العربية الرباعية بحضور قادة مصر والسعودية وسوريا والكويت جاءت في وقت حساس وهام للغاية في إطار المصالحة العربية.

وذلك لعدة أسباب أولها انعقاد قمة عربية في الدوحة نهاية الشهر الحالي وأنه ليس من المعقول في ظل خطورة الوضع سواء في غزة أو بعد تشكيل حكومة يمين متطرفة في إسرائيل، وجود الانقسام الذي يسود بين عدد من الدول العربية.

وقال :إن القمة الرباعية تمحورت حول دراسة الأوضاع وتوحيد الصف العربي ولم تكن مجالا للتنظير أو تبادل الاتهامات ولذلك كانت قمة مهمة للغاية.

وأضاف أن الأهمية الثانية لقمة الرياض أن مصر تبذل قصارى الجهد لتحقيق التقارب بين الأطراف الفلسطينية وكانت القمة فرصة للحد من المؤثرات الخارجية لحرصها على وحدة القرار واستقلالية الصف الفلسطيني، ومن هنا فهذا الجهد والوضع الفلسطيني لا يتحمل تدخلات خارجية أو محاولات استقطاب وما يحدث من مناورات.

وتابع أن قمة الرياض بحثت أيضا في كيفية التعامل مع إيران، وفي ثلاثة تحديات هي اللحمة الفلسطينية، التعامل مع حكومة الليكود والمتطرفة ومسيرة السلام، وأسلوب التعامل وليس المواجهة مع إيران من خلال المحافظة على الحقوق العربية مع دولة مجاورة لها تطلعات الهيمنة وذلك دون فتح جبهة جديدة».

وحول تأثير القمة على المصالحة المصرية- السورية قال الدكتور محمد عبد اللاه : لو صدقت النوايا، فنحن نرحب بأي جهد للتقارب والمصارحة، مشيرا إلى أن مصر لم تسع لعزل سوريا عن خطها العربي وليس لها مصلحة في ذلك بل وتسعي لإعادتها لمحيطها العربي وألا تكون مسيرة بأجندات خارجية، مؤكدا أن مصر تسعي لعودة سوريا كعنصر عربي فاعل كما كانت، فهذا الأمر في مصلحة الجميع.

وقال أمين العلاقات الخارجية بالحزب الوطني الديمقراطي المصري الحاكم في مصر: نحن من دعاة وحدة ولحمة ولسنا من دعاة فرقة وخلاف.

دعوة لنبذ القطيعة

وبدوره، أكد رئيس وحدة النظم السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي أن قمة الرياض الرباعية خطوة لإيجاد وسائل لإدارة الخلافات والأزمات العربية، فليس من المعقول أن يظل يتعامل العرب مع خلافاتهم بالقطيعة والحروب الإعلامية .

وأشار إلى أن الاجتماع جاء إدراكا من قادة الدول الأربع لحجم التحديات والتهديدات التي تواجه الأمة العربية والمتغيرات التي طرأت على المجتمع الدولي وعلى العالم، وأنه لا يجب أن تعطل الخلافات الجهد العربي والعمل العربي المشترك.

وقال: إنه ليس من المعقول أن نستمر في نهج نفس النهج الذي عفا عليه الزمن والمتبع منذ عقود من عدم القدرة على الخلاف أو امتلاك أدوات إدارة الخلاف، ونوه بتصريحات الرئيس السوري بشار الأسد في ختام اللقاء والذي أكد الشوبكي أنها من أكثر تصريحات بشار اتزانا وعقلانية وحكمة وتفهما لمتغيرات على الساحة العربية والدولية.

وحول تأثير القمة الرباعية على المصالحة العربية، قال الشوبكي: لاشك في أن قمة الرياض تعتبر خطوة تؤثر إيجابا على مؤتمر القمة العربية القادمة بالدوحة، وتمثل رسالة مؤداها أن عصر الخلافات العربية التي تؤدي إلى القطيعة انتهى، وإذا ما كانت هناك خلافات أو تباينات فهي لصالح الأوضاع العربية ومواجهة التباينات الخارجية وهو أمر حادث في كل التكتلات الدولية والإقليمية بما في ذلك الإتحاد الأوربي ذاته.

وأضاف: أن قمة الرياض ستدعم الموقف العربي في مفاوضات السلام، وتقوي من موقف المفاوض العربي في مواجهة إسرائيل كما أنها تصب في المقام الأول في مصلحة المصالحة والحوار الوطني الفلسطيني الدائر حاليا في القاهرة.

سحب ملبدة

أما الباحث بمركز الشرق الأوسط للدراسات السياسية والمستقبلية بجامعة عين شمس الدكتور أنور زناتي، فقد أكد أن من أهم أهداف قمة الرياض تجاوز الخلافات بين العرب، ولكنها للأسف بدأت بعكس ذلك عندما غابت قطر عن حضورها بسبب ما تردد عن وجود «تحفظات مصرية».

وقال: إنه من المؤكد أن تلك التحفظات جاءت كرد فعل لإصرار قطر على المشاركة في قمة «إيكو» الاقتصادية بإيران، الأمر الذي أثار قلق أطراف عديدة.

وأضاف: وقد زاد من هذا القلق تأكيد قطر على ضرورة دعوة إيران لحضور القمة العربية العادية في الدوحة نهاية الشهر الجاري، وهو أمر ترفضه مصر والسعودية، ناهيك عن دعوة قطر إلى تعليق مبادرة السلام العربية ووقف كافة أشكال التطبيع مع إسرائيل.

وقال: إنه ليس من باب التشاؤم أو التقليل من أهمية قمة الرياض القول أن المصالحة العربية ما زالت بعيدة نتيجة وجود خلافات جوهرية بين مختلف الأطراف وعدم وجود استعداد لدى أي من الإطراف للتخلي عن وجهة نظره، وبالتالي تكون اجتماعات القمة الطارئة حبرا على ورق.

إضاءة

حول تأثير القمة على المصالحة المصرية- السورية قال الدكتور محمد عبد اللاه : لو صدقت النوايا، فنحن نرحب بأي جهد للتقارب والمصارحة ، مشيرا إلى أن مصر لم تسع لعزل سوريا عن خطها العربي وليس لها مصلحة في ذلك بل وتسعى لإعادتها لمحيطها العربي وألا تكون مسيرة بأجندات خارجية.

مؤكدا أن مصر تسعى لعودة سوريا كعنصر عربي فاعل كما كانت، فهذا الأمر في مصلحة الجميع. وقال أمين العلاقات الخارجية بالحزب الوطني الديمقراطي المصري الحاكم في مصر: نحن من دعاة وحدة ولحمة ولسنا من دعاة فرقة وخلاف.