دبت الحياة فجأة في «جلاّب المصائب»، ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق، مع أن صلاحيته كأهم رموز «المحافظين الجدد» قد انتهت ومات سياسيا بعد فترة احتضار عاشها طوال العام الأخير من حكم الرئيس الأميركي غير المأسوف عليه جورج دبليو بوش.

هذا المسخ السياسي الشرير اعتاد أن يظهر أمام العالم خاصة في بداية حكم بوش على أنه الرجل الأول وليس «الثاني»، وجعل من المدعو بوش مجرد دمية يحركها مع تابعه رامسفيلد وزير الدفاع السابق لتمرير خطط حروب غير مشروعة داست على كل المواثيق والقوانين الدولية. (للعلم كان تشيني هو التابع لرامسفيلد وهما في سن الشباب في عصر ريغان الذي تعامل هو الآخر مع العالم بمفهوم الكاوبوي).

يريد تشيني الآن وبعد أن مات سياسيا أن يظهر بدور الواعظ ـ ويدس أنفه في شؤون البيت الأبيض مع أنه لا ناقة ولا جمل للمحافظين الجدد أو الجمهوريين في شؤونه. راح يبشر الأميركيين بـ 11سبتمبر آخر، قائلا ان سياسات الرئيس الجديد باراك أوباما تزيد من تعرض الشعب الأميركي لمخاطر هجمات إرهابية جديدة.

وفي أول مقابلة تلفزيونية له منذ خروجه مع بوش من البيت الأبيض، انتقد تشيني قرار أوباما إغلاق معتقل غوانتانامو السيئ السمعة ومواقع الاعتقال التابعة لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أيه) في الخارج، وكذلك قرار حظر استخدام أساليب التحقيق القاسية. ودافع عن وسائل الاستجواب القاسية التي استحدثتها إدارة بوش لاستخلاص اعترافات المشتبهين بالإرهاب. كما دافع عن برنامج التصنت الإلكتروني على الأميركيين.

واعترف في حديثه لشبكة «سي ان ان»، بأنه مارس ضغوطا على بوش لتبني نهج أكثر تشددا ضد إيران وكوريا الشمالية، معلنا رفضه اللجوء إلى الحوار والدبلوماسية (التي يسعى إليها أوباما الآن). تشيني يؤلب الرأي العام الأميركي ـ المستجيب للإدارة الجديدة ـ على أوباما. يحرض الشعب الأميركي على سياسة الرئيس الجديد الرامية كما هو معلن حتى الآن إلى تصحيح أخطاء بوش وتحسين صورة الولايات المتحدة أمام العالم.

هذا الامبريالي البشع لا يعنيه إن كان العالم راضياً على أميركا وسياستها أو يكن لها كل كراهية. لا تعنيه الأخلاق ولا القيم التي تحكم العلاقات الدولية والتي تكبح أي مخطط عدواني. فقد تربى سياسيا على طريقة رعاة البقر. وظهر في صورة الكاوبوي سواء في البيت الأبيض أو داخل البنتاغون عندما كان وزيرا للدفاع في عهد بوش الأب.

لا يهمه إن كانت سياسة بلاده يمكن أن تغضب الصديق أو الحليف. ولا ننسى أنه وتابعه رامسفيلد، لم يعنيهما وهما يخططان لغزو العراق، إن كان ذلك سيغضب الأصدقاء العرب أو لا. أراد هو ومن معه أن يفرض سياسة الأمر الواقع على المنطقة، ملوحين ـ كما كشفت الاجتماعات المسبقة للحرب على العراق والتي نشرت بعض تفاصيلها الصحف الأميركية ـ إلى أن العرب لا وزن لهم في التشاور بشأن الخطط الأميركية في الشرق الأوسط.

تشيني.. يتمسك ويتقمص وهو يقترب من الثمانين شخصية البطل الكاوبوي حامل البندقية والمسدس. وحتى في أوقات فراغه لم يجد متعته سوى في هواية الصيد لأنها تتيح له أن يحمل بندقية. والبندقية التي حملها ذات مرة ـ قبل ثلاث سنوات ـ أطلقت نيرانها على صديق له بطريق الخطأ.

ورغم أنه لم يضمر شرا لهذا الصديق. إلا أن الصحافي الأميركي يوجين روبنسون استغل الحادث وقال له وقتها «احمل بندقيتك وارحل وكفى ما فعلته في أميركا فقد أصبحت خارج نطاق السيطرة«. لم يرحل وقتها. ولكنه رحل فيما بعد مجبرا بحكم انتهاء ولاية بوش. ثم هاهو.. صار واعظا، ولكن ما أبشع أن تأتي الموعظة من شيطان.

hassaber@gmail.com