ليس المجال هنا أن نعيد ما كتبناه وتطرقنا إليه في ثلاث مقالات سابقة في معرض متابعة والرد على حديث القرضاوي بشأن المد الشيعي في العالم الإسلامي السني، ولا نود في الوقت ذاته الخوض في حقل ألغام، على خلفية تناول تفاصيل هذه القضية، غير أن التطورات التي وقعت مؤخرا في هذا المجال على صعيد العلاقات المغربية الإيرانية تفرض العودة مجددا للأمر، والتحذير من التداعيات الخطيرة لترك الأمور تسير مجراها الطبيعي الذي تشير الشواهد إلى أنها ستسير إليه.
بدأت القضية باستدعاء المغرب القائم بأعمال السفارة المغربية في طهران احتجاجا على التشكيك بسيادة البحرين، ثم تطور الموقف لحد قطع الرباط العلاقات علاقاتها مع طهران على خلفية ما ذكرته مصادر من تصرفات غير مقبولة من قبل طهران تجاه المغرب ردا على تضامنها مع البحرين. ويلاحظ على القرار أنه جاء بعد تسعة أيام من استدعاء مبعوثه لدى إيران، متضمنا اتهام إيران بالمس بالمذهب السنى.
الملمح الأساسي على الخلاف هو أنه بدأ سياسيا، غير أن الموقف انتهى على ما يبدو حتى الآن ليتحول إلى خلاف مذهبي، قد يستعر إذا صح ما أشارت إليه بعض المصادر الإخبارية من « تشكيل لجان في المغرب على صعيد الولايات والأقاليم لمحاربة جميع مصادر التغلغل الشيعي في المغرب والقيام بحملات مراقبة ومتابعة كل ما هو مرتبط بإيران».
وحسب الأخبار المنشورة فإن الأمر سيمتد ليصل حد « زيارة كبريات المكتبات في مختلف المدن المغربية بقصد التفتيش والوقوف على حضور الكتاب الشيعي في الساحة الثقافية المغربية».
لسنا في موضع الحكم على صحة موقف أي من الطرفين، غير أن السؤال الذي يقتضي بحثا وتأملا متأنيا هو التساؤل حول أبعاد تصاعد قضية العلاقة بين السنة والشيعة على هذا النحو لتحتل مرتبة محورية في العالم الإسلامي في العقد الجاري؟
لا ننطلق من تفكير تآمري إذا أشرنا إلى أن الأمر ينطلق من لعبة دولية تستهدف دفع المسلمين .. سنتهم وشيعتهم .. إلى حالة من الاحتراب على المذهب، ليكون بأس المسلمين فيما بينهم شديد، تعزيزا لنهج الفرقة والانقسام الذي نرى مؤشراته على صعد قضايا أخرى متعددة في عالمنا العربي والإسلامي.
ولعلنا لا نبالغ كذلك إذا أشرنا إلى أن القضية تصاعدت بشكل أساسي مع الغزو الأمريكي للعراق والسياسات الأمريكية هناك على نحو أوجد مجالا للفرز بين العراقيين على أساس الطائفة، الأمر الذي لم يكن يوجد خلال فترة حكم صدام رغم كل مساوئه، وهو أمر يقر به كل عراقي، الشيعي قبل السني.
على مستوانا العربي لم يكن هناك من بين الجماهير العربية حتى وقت قريب من يعرف ما إذا كان حزب الله سني أم شيعي وإن كان الكل يعرف أنه حزب مسلم. ورغم ثقل القرضاوي في العالم الإسلامي السني، فقد تم احتواء اثر موقفه بفضل حكمته وحكمة آخرين في الساحة من سنة وشيعة. يجعلنا ذلك ندعو إلى محاولة نأي كافة الأطراف عن اللعب على قضية المذاهب، وأن يتم تصفية القضايا السياسية على هذه الخلفية فقط.
ونضيف أن القراءة الدقيقة للموقف في المنطقة تشير إلى حالة من التعبئة السياسية العربية في مواجهة إيران ـ أبعادها قد لا تستعصي على الفهم ـ وهو ما يفرض على طهران تهدئة أية مخاوف، إذا صحت نوايا قادتها المعلنة.. وإلا فإن السيناريو الذي ينتظرنا كئيب.. ليس سوى ما جرى ويجري بين « حماس وفتح» سوى نموذج مصغر له .. إنها الفتنة!