قرار الرئيس ساركوزي بعودة فرنسا للمشاركة في قيادة حلف شمال الأطلسي بعد قطيعة دامت 43 عاما يثير تساؤلات كثيرة، خاصة وأنه يأتي في توقيت يعد فيه الحلف في أسوأ حالاته منذ تأسيسه عام 1949 بعد الانقسام الحاد داخله بسبب الحرب في أفغانستان ورفض الأوروبيون بقيادة فرنسا وألمانيا وأسبانيا وإيطاليا المشاركة بقواتهم في العمليات القتالية جنوب أفغانستان والتي تخوضها القوات الأميركية والبريطانية ضد طالبان، بينما القوات الأوروبية باقية في الشمال، وقد اتهم وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس الأوروبيين في مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ في فبراير العام الماضي بأن امتناعهم عن القتال يقسم الحلف ويهدد بقائه.
وطيلة العام الماضي الذي ترأست فيه فرنسا الاتحاد الأوروبي كان واضحا للجميع تشدد ساركوزي مع واشنطن وميله بشكل واضح لأشقائه الأوروبيين، خاصة في مناقشة قضايا الأمن الأوروبي، وفي قضايا الخلاف مع روسيا بعد الحرب في القوقاز.
حيث بدت فرنسا معارضة بشكل واضح للموقف الأميركي وخاصة في قضية ضم جورجيا وأوكرانيا للحلف والتي تحمست لها واشنطن بشدة بينما رفضتها ألمانيا و فرنسا لأنها تضر العلاقات مع روسيا، كما رفضت فرنسا وألمانيا وإيطاليا المقترح الأميركي بفرض عقوبات على روسيا بسبب دخول قواتها جورجيا، وأكثر من ذلك ذهب الأوروبيون يناقشون مسألة الأمن الأوروبي بمشاركة روسية بعيدا عن واشنطن، وأدلى ساركوزي في نوفمبر الماضي بتصريح ملفت للنظر ومثير للجدل حيث قال ) ان الاتحاد الأوروبي وروسيا قررا وضع حجر الأساس لمنظومة أمنية أوروبية جديدة ولا مانع لدينا من مشاركة الولايات المتحدة في المناقشات حول هذه المنظومة.(
لقد تعامل ساركوزي في تصريحه مع واشنطن كطرف ثالث يشارك في المناقشات ولا يشارك في القرار، ولم يشر في حديثه إلى حلف الناتو الذي يتولى مسؤولية الأمن الأوروبي على مدى ستين عاما مضت، وكأن أوروبا مقبلة على مرحلة جديدة في التعامل مع أمنها بعيدا عن الشريك الأطلسي، وبالتعاون مع الجار الأوروبي الكبير روسيا التي زادت روابطه الاقتصادية والتجارية بشكل كبير مع أوروبا خلال الأعوام القليلة الماضية وأصبحت المصدر الأول للطاقة الأوروبية.
وجاء مؤتمر ميونخ للأمن الدولي في فبراير الماضي ليعكس بوضوح التوجه الأوروبي نحو التعاون مع روسيا في قضية الأمن، حيث أعلن ساركوزي في المؤتمر أن روسيا لا تشكل أي تهديد عسكري لأوروبا، وأكد ضرورة إعادة بناء الثقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، كما اقترحت المستشارة الألمانية ميركل في المؤتمر ضم روسيا لهيكلية الأمن الأوروبي الجديدة، ولم يرد ذكر الولايات المتحدة في الحديث حول الأمن الأوروبي إلا في موقف واحد عندما طالب ساركوزي واشنطن بالكف عن إطلاق تهديداتها بنشر منظومة دفاعها الصاروخي في شرق أوروبا.
ما سبق ذكره يتناقض مع ما يعتقده البعض بأن قرار ساركوزي بعودة فرنسا لقيادة الناتو يعتبر ردة فرنسية ويعكس تنازل لواشنطن، على العكس ربما يكون القرار حيلة ساركوزية للرجوع لمركز القرار من أجل إحداث تغييرات جذرية قد تؤدي إلى تهميش دور واشنطن في الحلف، خاصة وأن ألمانيا رحبت بشدة بالقرار الفرنسي، وربما تكشف لنا قمة الحلف «الستينية» الشهر القادم في ستراسبورج خفايا القرار الفرنسي.