دانيال بلمار المدعي العام في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري.. تولى قضية توصف بأنها تشمل كل تعقيدات قضايا الشرق الأوسط، ومع ذلك فسيرته الذاتية تؤكد أن لا خبرة له بشؤون المنطقة. كانت مناصبه القانونية كلها محلية داخل حدود بلده (كندا) ولم يشغل منصبا دوليا.

كان رئيساً لقسم الملاحقات الجنائية في كندا قبل أن يرشحه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون رئيسا للجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري. قد يرى البعض أن عدم خبرة بلمار بالمنطقة، هو«جهل» بما يتحرى عنه، والبعض الآخر يرى أنه ربما بسبب هذا «الجهل» ستكون تحقيقاته وادعاءاته أمام المحكمة الدولية، شفافة وحيادية وبعيدة عن أي تأثير خارجي، خاصة وأن البعض كان يشكك في معظم سابقيه وبأنهم لم يتمتعوا بكامل المصداقية في أدائهم.

سبقه المحقق بيتر فيتزغيرلد على رأس لجنة لتقصي الحقائق. ومن بعده القاضي الألماني ديتليف ميليس الذي شكك البعض في تقاريره واعتبروها مسيسة وتستهدف إحراج سوريا. وبعد ميليس جاء القاضي البلجيكي سيرج براميرتز. ومن بعده أتى بلمار «الكندي» الذي يريد الآن وبشتى الطرق أن يؤكد أن لا ناقة له ولا جمل في اتهام طرف لحساب طرف آخر، وأن المحكمة الدولية التي يتولى الادعاء فيها غير «مسيسة» وأن هدفه تحقيق العدالة ومعاملة كل طرف باحترام ولا يسعى الى الانتقام، بل ووصف التعاون السوري في التحقيقات بأنه كان مرضياً، وتجنب الرد على سؤال حول موقف المحكمة الدولية إذا ما امتنعت دمشق عن تسليم مطلوبين سوريين.

وهو في كل ذلك عكس مورينو أوكامبو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بدارفور الذي استخدم اسلوبا متصلبا. ووصل به الأمر الى درجة خروجه عن اللياقة القانونية وتسييس تصريحاته، خاصة عندما وصف سلوك الحكومة السودانية في الصيف الماضي بأنه سلوك العهد النازي في ألمانيا. بلمار.. ليس حادا.. رقيق وهادئ وحريص على انتقاء كلماته وعباراته في كل تصريح لتأكيد نزاهته وشفافيته.

وكشف عن إنسانيته في التعامل عندما أشار إلى أن نقل التحقيق إلى لاهاي قد يشعر بالراحة من يعرفون ما حدث إذا تحدثوا لمكتب المدعي العام في لاهاي أكثر مما قد يحصل لو تحدثوا في بيروت. بلمار أراد أن يطمئن كل الأطراف اللبنانية عندما قال في رسالة وجهها الى الشعب اللبناني عامة عشية انطلاق المحكمة «هدفي هو الحقيقية وليس الثأر.. لن اقدم بيان اتهام يقوم على المجاملة.. الجميع شهوداً كانوا أو موقوفين أو متهمين، ستتم معاملتهم بشكل يحفظ كرامتهم».

أراد أن يطمئن الجميع بأنه يبذل كل جهد ممكن إنسانيا وقانونيا لجلاء الحقيقة. ولإظهار الشفافية.. يرى أن العدالة ذات المصداقية تتطلب جهداً كبيراً، وأنه سيعمل كمدع عام وفق الأدلة الموجودة أمامه معتمدا في ذلك على القانون والضمير. ولذلك فهو يرفض الكشف عن الموعد الذي يمكنه فيه تقديم التهم الرسمية في القضية، إلا بعد الاقتناع بوجود أدلة راسخة.

وتوقع أن تحمل المحكمة نتائج خطيرة تغيّر حياة الكثير من الأشخاص. ومنذ بداية تعامله مع القضية، كان حريصا مثل سلفه براميرتز، على أن تكون تقاريره بشأن التحقيقات تقارير عامة لا تشير إلى هوية المتهمين. ولم يعط معلومات عن وضع التحقيق. وكان يقول ان بإمكانه التحكم بوتيرة التحقيق لكن ليس بنتائجه. ويضيف «إننا مثابرون.. سنذهب إلى أي مكان تقودنا الأدلة إليه.. سنطرق كل الأبواب». نأمل أن تصدق أقوال بلمار وتتجلى الحقيقة ولا نفاجأ بأن ما قاله كان يخفي أشياء خبيثة. أفلح إن صدق، وصدق إن ثبت أن نتائج تحقيقاته بعيدة عن التسييس والتضليل.

حسن صابر