ليس هناك عاقل في الدنيا يستنكف أن تأخذ العدالة مجراها، هذا إن كانت عدالة حقيقية مغمضة العينين لا تفرق بين قوي وضعيف، ولا بين أعراق وأخرى، لكن الأمر يختلف إن كان للعدالة ألف عين تتفاوت بين الرضا والغضب بحسب من يخضع لها، وتتغير أهواؤها طبقا للمزاج السياسي العام في الدول المتنفذة في العالم.
المحكمة الجنائية الدولية مثلها مثل كل المنظمات الأممية، نشأت بناء على دعوات صادقة مخلصة النية، لكنها سرعان ما تحولت إلى أداة سياسية بيد الدول الكبرى، مما يشكك في كونها مكانا مناسبا لتحقيق العدل.
لنفترض جدلا أن الرئيس السوداني عمر البشير قد فعل ما يستوجب إخضاعه للقضاء الدولي، وأنه أعطى أوامر تدخله دائرة مجرمي الحرب، لكن السؤال هل هو الوحيد الذي يستحق المحاكمة؟ أم أن هناك آخرين ارتكبوا ما هو أبشع وأكثر إجراما في حق الإنسانية ومع ذلك تنحني لهم هيئة المحكمة ولا تجرؤ على مجرد النظر في عيونهم هذا فضلا عن إصدار مذكرات باعتقالهم.
سيكون من السخف أن يقبل عربي واحد قرار هذه المحكمة وهو يرى بأم عينه قادة إسرائيل الذين مارسوا الإبادة الحقيقية ضد الفلسطينيين منذ 61 عاما وهم يكرمون ويحصلون على جوائز نوبل للسلام فيما جرائمهم شاخصة تفقأ عين العالم وتتمثل في 4 ملايين فلسطيني مشرد في مخيمات الشتات المنتشرة عبر الأردن ولبنان وسوريا والعراق ومصر فضلا عن الضفة وغزة وعشرات المنافي، من أحق أن يطارد عمر البشير أم شمعون بيريز؟
سيتطوع أحد بالقول هذه جرائم قديمة، والمحكمة شكلت عام 2002 ولكن أليست محرقة غزة وقبلها محرقة لبنان أحداث تدخل ضمن النطاق الزمني للمحكمة؟ دعك من إسرائيل فهي فوق القانون الدولي (لا أدري ما هي العلة القانونية لذلك) ولكن ماذا عن أميركا؟ ماذا عن جورج بوش ودونالد رامسفيلد وديك تشيني الذين ارتكبوا مجازر جماعية بحق الشعب العراقي راح ضحيتها 100 الف إنسان (بحسب ارقام البنتاغون)
او نحو مليون كما تقدر المصادر العراقية هذا بالاضافة إلى مئات آلاف المعتقلين دون جريرة وملايين المشردين الذين تركوا العراق فارين بأرواحهم من جبروت البطش الأميركي وتوابعه. أليست تلك جرائم حرب ينبغي ان تخضع للمحكمة؟ أم أن الجنود الآتين من بلاد العم سام لديهم حصانة من الملاحقة، فما بالك بكبار المجرمين الذين كانوا في البيت الأبيض والبنتاغون و10 داوننغ ستريت؟
هل تجرؤ محكمة كهذه أن تلاحق مسؤولا في احدى الدول الكبرى؟ أم أنها ترفع القبعات لهم وتتمنى أن يرضوا عنها وعن إجراءاتها وحزمها في مواجهة الضعفاء؟إذا لم يكن البشير هو جورج بوش او رامسفيلد أو بلير فماذا عن عشرات الحكام الذين مارسوا إبادة حقيقية ضد شعوبهم ولايزالون على المقاعد، وهناك آخرون أذاقوا شعوبهم ذلا وهوانا غير مسبوقين لعشرات السنين، أم أنهم كانوا أكثر حذقا فساوموا بمصالح بلادهم وبحماية المصالح الغربية على المطالبة برؤوسهم؟
حينما يكون كل مجرمي العالم سواء يمكن ملاحقتهم وإصدار مذكرات اعتقال بحقهم، سأفترض مع المحكمة أن البشير قد فعل ما يستوجب المساءلة، وحين يأخذ قضاة المحكمة حبوب الشجاعة ويطالبون بإصدار مذكرات اعتقال بحق بيريز أو موفاز أو أولمرت او بوش أو بلير أو رامسفيلد أو واحد من عشرات غيرهم لا يتسع المقال لأسمائهم سأرفع القبعة للسيد لويس مورينو أوكامبو، وربما أشارك الكوماندوز الذي تخوله المحكمة في القبض على المواطن السوداني عمر حسن أحمد البشير.