حال المصالحة الفلسطينية أشبه بأسطورة سيزيف، فكلما تقدمت خطوة تتعرض لضغوط جديدة ، بفعل الأفخاخ الداخلية والخارجية، وأحدثها اليوم الأميركية والأوروبية التي تجددت في مؤتمر شرم الشيخ، إذ تم تسييس أموال الاعمار قبل أن تصل.
انعقد المؤتمر بهدف تمويل عملية إعمار غزة، فإذا بالساسة الغربيين يتجهون إلى تهديم التقارب السياسي الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس. فقد وضعوا شروطا يعرفون أن حركة حماس لن تقبل بها. فمن جانبها تمسكت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بكل ثوابت سابقتها في المنصب كوندوليزا رايس، وطالبت حماس بالاعتراف بإسرائيل، وبالمعاهدات التي توصلت إليها السلطة معها.
هذه التصريحات هي أول موقف أميركي جلي تجاه القضية الفلسطينية منذ تولي الرئيس باراك أوباما الحكم، وتكشف انه لا فرق بين سياسته وسياسة جورج دبليو بوش. ومن ثم فمن التوهم انتظار أي خير من واشنطن. فكل ما يقوله الرئيس وأركان إدارته حول فتح صفحة جديدة، ليس سوى كلام لتهدئة الخواطر العربية الغاضبة، أما الأفعال فلا وجود لها. إن كل ما يجري هو بيع الوهم للعرب بوجوه جديدة.
وهذه السياسة جددها الأوروبيون أيضا في المؤتمر، وفي مقدمتهم الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي الذي أوهم الجميع فور انتهاء الحرب على غزة بإمكانية استيعاب حركة حماس ضمن الحكومة الفلسطينية، مع إمكانية اتخاذ موقف أوروبي جديد، يساعد على المصالحة الفلسطينية. ولكنه في المؤتمر كرر كلامه العتيق، وطالب حماس بالاعتراف بإسرائيل، وجدد أن فرنسا لن تتحدث إلا مع السلطة الفلسطينية وحدها، وأنها ستدعمها ماليا لتقديم المساعدة للمتضررين من الحرب على غزة.
خطورة هذه التصريحات أنها تأتي في الوقت الذي لا يزال الطرفان الفلسطينيان يتباحثان حول المصالحة، وسط خلافات ورؤى متعارضة، فما قيل يناصر فريقا على فريق سياسيا واقتصاديا، وهذا يخل بالتوازنات والتوافقات الفلسطينية التي تشكلت خلال مفاوضات الأسابيع الماضية. كما أنه يعقد مسار المفاوضات، وبالتالي لا يصب مطلقا في الجهود المصرية الساعية إلى إتمام المصالحة.
كان الأحرى بالولايات المتحدة والأطراف الأوروبية أن يتعاملوا مع إعمار غزة كقضية إنسانية، دون نكء الجراح الفلسطينية. كما كان الأحرى بهم أن يتوجهوا باللوم إلى إسرائيل على جرائمها في غزة، ويطالبوها بفتح المعابر ورفع الحصار الإنساني والاقتصادي، والتوقف عن الاستيطان، لكنهم كعادتهم آ ثروا النفاق السياسي، وليس قي ذلك غرابة لأنهم من سلموا فلسطين إلى الحركة الصهيونية قبل أكثر من ستين عاما.
والخطورة الثانية أنه إذا ما قسنا المواقف الأميركية والأوروبية عربيا على صعيد التحولات التي تجري في إسرائيل، بعدما تبين أن تشكيل الحكومة صار مؤكدا للمتطرفين بنيامين نتانياهو وافيجدور ليبرمان، فان هذه المواقف الغربية بقدر ما تمثل انحيازا لإسرائيل، فإنها تشكل أيضا تطرفا سياسيا فاضحا، قابلا للتكرار ضد أي طرف عربي آخر. وهذا التشدد الغربي يضع كل العرب الممانعين منهم والمعتدلين في مأزق.
وأمام هذه الأفخاخ الغربية والإسرائيلية المنصوبة، فإن من العبث أن يبقى الفلسطينيون والعرب على خلافاتهم التي كانوا عليها قبل الحرب، لأن هذه الخلافات هي التي شجعت إسرائيل على تدمير غزة، وهي التي تشجع الغرب بقارتيه على الاستمرار في المعايير المزدوجة، وهي التي ستقودنا مستقبلا إلى السقوط تحت مزيد من العدوان والتدمير في غزة وغيرها.