طرح الرئيس الاميركي باراك اوباما في خطابه أمام حشد من قوات مشاة البحرية( المارينز) في قاعدة كاب ليجون نهج إدارته المبدئي للتعاطي مع إيران، دون تحديد معنى هذه(المبدئية) وهل تقتصر على قاعدة المصالح المتبادلة، دون التقيد بعوائق ميراث الخلاف المزمن مع طهران منذ ثلاثين عاما.
أو عقبات الواقع الراهن المتمثل في الأزمة النووية وإصرار واشنطن على منع إيران من امتلاك التقنية التي تضعها على عتبة النادي النووي الدولي. ويأتي حديث اوباما عن نهجه المبدئي الموعود مع إيران في سياق مزاميره عن التغيير الكبير لاستعادة هيبة الولايات المتحدة وتجميل صورتها (القبيحة) إبان إدارة سلفه جورج بوش. فلقد حاصرت موجات الكراهية أميركا عبر أرجاء العالم بسبب حروب تغيير الأنظمة التي شنت ضد غير دولة أبرزها العراق.
والحاصل ان اوباما في حديثه عن النهج المبدئي مع إيران، قلص كثيرا من حجم وعوده الانتخابية بان يكون الرئيس الإيراني احمدي نجاد أول من يستقبله في البيت الأبيض بعد تنصيبه رئاسيا. وبالمثل اقتصر تعهده بالانسحاب من العراق على تنفيذ خطة سابقة (انسحاب متدرج وبقاء قوة أميركية في العراق) توافقا مع الاتفاقية الأمنية الموقعة مع حكومة نورى المالكي.
ويتماثل طرح اوباما المبدئي مع اقتراح سلفه الديمقراطي بيل كلينتون لإجراء (حوار صريح) مع إيران في يونيو 1996، والذي لم يثمر صفقة مصالحة تاريخية راهن الديمقراطيون على عقدها عشية الانتخابات الرئاسية التي جاءت بالجمهوري بوش الابن.
وفي سياق السعي لفهم مغزى ( النهج المبدئي) وإمكانية نجاحه يجب ان نتذكر مسار العلاقات الأميركية الإيرانية بعد مرحلة القطيعة والعداء المعلن منذ نجاح الثورة الإسلامية واقتحام السفارة الأميركية علم 1979 واحتجاز دبلوماسيين أميركيين رهائن. هذا المسار المتعرج جمع بين ثنائية الحوارات السرية والتلويح بتقارب محتمل من جهة والمواجهات العدائية والعقوبات الاقتصادية والتهديد بهجمات عسكرية من جهة اخرى.
على ان اهم ما يعنينا في هذه العجالة ان نتدبر مقاربة الديمقراطيين في ظل رئاسة كلينتون للعلاقات مع إيران، لصلتها الوثيقة بما يدار الان ويخطط له اوباما ووزيرة خارجيته هيلارى زوجة كلينتون، ومساعديها ومستشارى البيت الابيض واغلبهم من المقربين من ادارة بوش الابن الغاربة شمسها.
ففى 1996اعلن كلينتون استعداده لحوار صريح بهدف تحقيق تسوية وتقارب مع إيران ، دون شروط سوى ان يكون المفاوض الإيرانى مسؤولا حكوميا يتمتع بصلاحيات اتخاذ قرار. واهمية هذه الخطوة انها تلت قرار الكونغرس بالاجماع تشديد العقوبات الاقتصادية على طهران (الذى عرف بقانون السيناتور الفونس داماتو). ولم تتوقف واشنطن عن سعيها لابرام صفقة لانهاء العداء واعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران.
من جملة هذه المساعى تدخل كلينتون لحماية ودائع الحكومة الإيرانية المجمدة من تسييلها لصالح تعويضات الضحايا الاميركيين والإسرائيليين، والتى بلغت مليار و600 مليون دولار. وفى تحرك غير مسبوق منذ 1979 التقت وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت مع نظيرها الإيرانى كمال خرازى في نيويورك على طاولة لمناقشة قضية افغانستان.
والشاهد ان كلينتون فشل فشلا ذريعا في ابرام الصفقة التاريخية مع إيران، ويجب ان يكون هذا الدرس حاضرا ونحن نترقب خطوات اوباما دون اغراق في تفاؤل مخادع أو تشاؤم محبط، لان حل الازمة رهن بمنظومة كاملة لإصلاح النظام الدولى. لم تظهر في الافق الاميركى ارهاصاتها بعد.