في مثل هذا اليوم من عام 1973، شهدت بنغلاديش التي لم يكن قد مضى على تأسيسها عامان، أول تجربة ديمقراطية تمثلت في انتخاب زعيمها التاريخي الشيخ مجيب الرحمن (والد الشيخة حسينة رئيسة الوزراء الحالية)، كأول رئيس حكومة منتخب في أول انتخابات عامة تشهدها البلاد.
الشيخ مجيب الرحمن أو «البانغو باندو» ـ وهو لفظ يعني « أبا الأمة »، ارتبط اسمه بقيام دولة بنغلاديش،التي كانت يوما ما جزءا من باكستان التي انفصلت بدورها عن الهند مع إعلان الاستقلال عن بريطانيا عام 1947.
واذا كان هو المؤسس، فبذور الدعوة الى التأسيس وضعت منذ بداية نشأة باكستان. وبالتحديد عندما بدأ البنغاليون يسعون الى الاستقلال الذاتي تحت ذريعة أن من أمور اقليمهم في أيدي أهل البنجاب الذين ينتسبون الى باكستان الغربية (باكستان الحالية). كانت من مطالبهم مثلا، أن تكون اللغة البنغالية ـ لغة أهل الشرق ـ إحدى اللغتين الرسميتين في البلاد، على حين كان يرى أهل الشرق أن تكون الأوردو هي اللغة الرسمية للجميع لأنها اللغة التي يعرفها معظم السكان.
كانت الأجواء تنذر بأن أمرا ما سيحدث ويؤدي الى تحقيق الانفصال بين شطري باكستان، وكان الواقع الجغرافي عاملا مساعدا لتغذية الانفصال،. إذ أن الأراضي الهندية تعزل شرق باكستان عن غربها لمسافة تزيد على ألف ميل، وهي امتداد عرض دولة الهند. وبالتالي فالطريق الوحيد بين شطري الدولة الباكستانية إما بحرا أو جوا.
بعد الحرب الهندية ـ الباكستانية في خريف 1965، ظهر نجم «البنغالي» مجيب الرحمن الذي قاد من خلال حزبه (رابطة عوامي) الذي تقوده وتكمل مسيرته الآن الشيخة حسينة، مسيرة الانفصال عن باكستان. كان برنامجه الحزبي الذي يؤمن به معظم أهل البنغال، يدعو الى الحكم الذاتي لشرق باكستان عدا الدفاع والسياسة الخارجية.
ويتحقق ذلك من خلال وضع دستور جديد يقيم اتحادًا فيدراليًا حقيقيًا ونظاما برلمانيا مباشرًا، وأن يكون هناك سياسة مالية ونقدية لباكستان الشرقية، وإقرار حقها في إقامة ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات النظامية، ونقل سلطة فرض الضرائب وجمع الإيرادات من الحكومة الفيدرالية إلى حكومة الاتحاد في باكستان الشرقية.
هذه الأفكار التي أطلقها مجيب الرحمن تعني انفصالا تدريجيًا لباكستان الشرقية، خاصة أن مجيب الرحمن سعى إلى تعزيز علاقاته بالهند التي كانت أكبر مستورد للجوت الوارد من باكستان الشرقية. الى جانب أنها المنفذ الوحيد للشطر الشرقي من باكستان للخروج إلى مياه المحيط الهندي.
من جانبه، كان الرئيس الباكستاني ـ آنذاك ـ أيوب خان، قد عقد مؤتمر حوار وطني عام 1968 بعد ان تصاعدت حدة المعارضة بعد الحرب التي كانت بنود اتفاق الصلح مع الهند بشأنها مرفوضة من قبل المعارضة الباكستانية.
وانتهى المؤتمر دون بحث مطالب مجيب الرحمن في الانفصال. واستقال الرئيس خان واعتزل الحكم في مارس 1969. ثم تولى الجنرال يحيى خان رئيس هيئة أركان الجيش السلطة بعد يوم واحد من استقالة أيوب خان، وأعلن عن إجراء انتخابات لاختيار مجلس نيابي، تتولى وضع دستور جديد للبلاد ليصبح النظام نيابياً لا رئاسياً.
وأجريت الانتخابات في ديسمبر 1970 وأسفرت عن فوز حزب رابطة عوامي بزعامة مجيب الرحمن بأغلبية المقاعد في باكستان الشرقية بدعم من الهند، وفوز حزب الشعب بزعامة ذو الفقار علي بوتو (والد الراحلة بي نظير بوتو) في باكستان الغربية. وفشلت محاولة تقاسم السلطة بين الاثنين لإصرار مجيب الرحمن على الانفصال، ومطالبته عقد المجلس النيابي المنتخب والذي يستحوذ على أغلبية مقاعده، للبت في الدستور.
وعندما رفض بوتو حضور جلسة الانعقاد، توترت الأمور إلى أبعد الحدود بسبب تأجيل الانعقاد. وثار البنغاليون، وعمت الفوضى شرق باكستان ولم ينجح الرئيس يحي خان في تحقيق التهدئة، وتم اعتقال مجيب الرحمن، بعد أن أعلن قيام دولة بنجلاديش في 26 من مارس 1971.
في الوقت نفسه، زحف الملايين من البنغال ـ ومعظمهم من الهندوس ـ إلى الأراضي الهندية، لتشتعل بعدها الحرب الثالثة بين الهند وباكستان التي انتهت لصالح الهند. واستقال الرئيس خان في ديسمبر 1971 تحت ضغط شعبي، ليتولى السلطة ذو الفقار علي بوتو. وكان أول عمل له هو إطلاق سراح مجيب الرحمن الذي مارس على الفور سلطاته كرئيس لدولة بنغلاديش التي كان قد أعلن قيامها في مارس 71.
وعاد الشيخ إلى دكا في يناير 1972 وتولى رئاسة الحكومة، وقطع علاقات بنغلاديش بباكستان، ورفض عرض الرئيس الباكستاني بوتو بأن يتنازل له عن السلطة في سبيل المحافظة على وحدة باكستان، غير أنه أصر على الانفصال فلم تعترف باكستان بدولته.
وفي 7 مارس 1973، أجريت أول انتخابا عامة في البلد الجديد، وفاز فيها حزب رابطة عوامي الذي يتزعمه الشيخ مجيب بأغلبية كاسحة (73% من مجموع الأصوات) وتولّى رئاسة أول حكومة منتخبة. وبعد عام اعترفت باكستان بالدولة الجديدة التي تصنف الآن كسابع دولة من حيث عدد السكان في العالم بعد الصين والهند والولايات المتحدة واندونيسيا والبرازيل وباكستان. إذ يبلغ تعدادها حوالي 160 مليون نسمة.