من أول تعامل مباشر لها مع العالم الخارجي،أثبتت هيلاري كلينتون أنها وزيرة خارجية فوق العادة. المنصب بالنسبة لها لا تعتبره مجرد وظيفة دبلوماسية رفيعة يتم من خلالها تمرير السياسة الأميركية، وإنما يشمل مهام أخرى تتمثل في العلاقات العامة والإنسانية. لا تريد لمنصبها أن يقتصر على التعامل على مستوى الحكومات، بل أيضا على مستوى الشعوب.
وهذا ما نجحت فيه بالفعل خلال زيارتها الآسيوية الأخيرة قبل أن تنطلق إلى الشرق الأوسط في الأسبوع الماضي. خرجت هيلاري بلباقة وذكاء عن النص الدبلوماسي المعتاد، وتعاملت مع أطراف غير رسمية، فأضفت لمسات إنسانية واجتماعية على مهامها. واستغلت فصاحتها كمحامية سابقة في أن تجمل وظيفتها.
في كوريا الجنوبية مثلاً، أثبتت ـ كما تقول وكالة الأنباء الألمانية ـ أنها نموذج ملهم للنساء هناك عندما تحدثت في إحدى الجامعات عن مكانة المرأة وكيفية اختراق السقف الزجاجي في المجتمع الكونفوشيوسي. خلعت الرداء الدبلوماسي وتحدثت عن نفسها كمثال للمرأة العصرية.
قالت وهي تخاطب طالبات الجامعة «لم أكن أحلم يوما أن أكون هنا كوزيرة للخارجية.. سيروا وراء أحلامكم.. بالتعليم والفرص المتاحة الآن في بلادكم فان هناك الكثير الذي تستطعن عمله». أنهت زيارتها لكوريا وتركت تأثيراً قوياً في الكوريات، وفي الوقت نفسه، نجحت في إثبات أنها دبلوماسية قوية عندما كشفت عن موقفها الصارم تجاه البرنامج النووي والعسكري لكوريا الشمالية.
وفي أندونيسيا، خصصت وقتا من برنامجها للظهور في برنامج تلفزيوني موسيقي. وقامت بجولة بأحد الأحياء الفقيرة حيث تمول الولايات المتحدة مشروعات تنموية فيها، وتحدثت عن مشروعات حرفية وكشفت عن اهتمامها بالرعاية الصحية للأمهات وأطفالهن الرضع. أما في الصين، فأظهرت ثقافتها السياسية وهي تخاطب قادة بكين عن أهمية التعاون المشترك لتجاوز آثار الأزمة الاقتصادية العالمية. استشهدت بمثل صيني يقول «عندما تركبون قاربا واحدا فعليكم عبور النهر سويا بسلام».
دبلوماسية هيلاري الجديدة.. هدفها في المقام الأول تحسين صورة أميركا التي شوهها الرئيس السابق غير المأسوف عليه جورج دبليو بوش وزبانيته الأشرار ممن أطلق عليهم اسم المحافظين الجدد وعلى رأسهم ديك تشيني ودونالد رامسفيلد. ترى هيلاري ان جزءا من وظيفتها هو محاولة تصحيح صورة أميركا. وتقول «أمامنا الكثير من العمل.. لا تنتابني أي أوهام بشان ارتفاع التل الذي ينبغي ان نتسلقه هنا لنكتسب الاحترام والثقة في عقول الناس مرة أخرى».
ما يهمنا هو كيفية تعاملها مع منطقتنا الملتهبة. يحسب لها أنها من مؤيدي الحوار المباشر مع سوريا. قالت أمام الكونغرس لدى تسلمها مهام منصبها أنها ترى أن العلاقة المباشرة مع دمشق رغم الاختلافات في العديد من القضايا، تعزز المصالح الأميركية. أما القضية الفلسطينية.
فكانت هيلاري أول صوت داخل البيت الأبيض يعلن بطريقة غير رسمية تأييده لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وكان ذلك عندما اصطحبها زوجها الرئيس بيل كلينتون خلال زيارته لفلسطين قبل عشر سنوات. صحيح أنها تراجعت تحت الضغوط الصهيونية، إلا أنها أول شخصية أميركية تكشف عن قناعتها بضرورة قيام دولة للفلسطينيين.
وأحد الأهداف الأساسية لهيلاري الآن هو تعزيز وضع السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة محمود عباس. ولكن المهم، هو صلب القضية، أي تعزيز مطلب السلطة في إزالة العقبات الإسرائيلية أمام المسيرة السلمية على أمل تنفيذ مشروع خارطة الطريق. بالتأكيد.. ستكون مهمة هيلاري شاقة إن لم تبد واشنطن موقفا حازما تجاه إسرائيل. بدون ضغوط على إسرائيل، فلن يكون هناك في نهاية الأمر أي فرق بين هيلاري وسلفتها كونداليزا رايس سوى في الحد من التصريحات الداعمة للدولة العبرية.
حسن صابر