تعيش ليبيا حاليا حراكاً سياسياً كبيراً من الناحية الأيديولوجية والإدارية حيث يتوقع الليبيون أن يكون العام الجديد 2009 موسما استثنائيا لأنه سيشهد التحول الذي بدأ في كيفية تحويل الثورة التي ظلت قرابة أربعين سنة إلى دولة مؤسسات، مدينة يكون فيها دور لمؤسسات المجتمع المدني والقانون، إلى جانب إمكانية قيام الأحزاب، غير أن الذاكرة السياسية ستظل تحتفظ كذلك بعام 2008 كأحد أفضل الأعوام التي رسخت خطوات التغيير في ليبيا، وسجلت نجاحات سياسية ودبلوماسية مبهرة.
* المشهد الأول: عملية المصالحة التي بدأت منذ عامين ودعا إليها سيف الإسلام رئيس مؤسسة القذافي للتنمية تحت شعار «طي الماضي»، والعمل معا من أجل ليبيا الغد، الجميع أخوان. وعودة كافة الليبيين في الخارج إلى الوطن. وهذا ما تحقق منه جزء كبير حتى الآن، حيث عاد كثيرون ممن كانوا يعدون من المعارضة إلى الداخل دون التعرض لهم. كما أفرج عن العديد من الليبيين الذين كانوا في السجون الليبية.
وتمت إعادتهم إلى سابق أعمالهم، بل وتعوضهم عن فترات السجن. كما أفرجت السلطات عن العديد من الإسلاميين وجماعة ليبيا المقاتلة، وأعادت تأهيلهم للانخراط في المجتمع ومساعدتهم، بل سوف تخرج السلطات عن باقي المعتقلين خلال الأيام المقبلة. كما قامت الدولة بمشروع تعويض الليبيين ممن صودرت أملاكهم خلال الحقبة الماضية وجارٍ الآن وضع التقديرات النهائية لهذه التعويضات.
كما يجرى العمل على تسوية حقوق مساجين سجن أبو سليم الذين ماتوا عام 1997 اثر عملية تظاهر واشتباكات بين المساجين وقوات الأمن. وسيتم الإعلان قريبا عن تسوية شاملة لهذا الملف الأخير في المصالحة الليبية، كما تقوم مؤسسة القذافي بجهود واسعة في الداخل الليبي من أجل هذا الموضوع، لكن هذا المشروع يقول عنه مهتمون بالشأن الليبي: انه بدأ يتراجع في ظل هجمة من قبل الثوريين على رموز الإصلاح.
* المشهد الثاني: عملية الإصلاح التي يقودها نجل القذافي سيف الإسلام من الثورة إلى الدولة وبناء دولة حديثة قوية معتمدة على القانون والدستور، في إطار ذلك يعيش الشارع الليبي الآن حراكا واسعا حيث شكلت لجنة حكومية برئاسة رئيس المحكمة العليا لصياغة الميثاق الوطني (الدستور).
وهناك تباين واضح في تحليل وتفسير الحراك السياسي في ليبيا لأسباب متعددة، ولكن هناك جزم بأن هذا الحراك خصوصاً ما يتعلق بالجدل حول إصلاح ليبيا الغد لم تنضج نتائجه بعد. ومع ذلك فان دواعي قراءة المشهد الليبي لا تتوقف بالضرورة على المتطلبات الداخلية، وإنما تتصل بكل تأكيد بالمتغيرات الدولية والقدرة على قراءة تداعياتها الراهنة والمستقبلية. ويبدو إن الوضع الدولي الراهن وما يشهده من تأزم في أوضاعه السياسية والاقتصادية والأمنية والإنسانية يدعو لمزيد من الحوار الوطني الموضوعي والمسؤول لكي يكشف بجلاء عمق تأثير الأزمة الدولية على ليبيا ومستقبل الدولة الليبية ودورها الجديد.
* المشهد الثالث: يظل الاتفاق التاريخي وغير المسبوق الذي توصلت ليبيا إلى إبرامه مع المستعمر القديم ايطاليا أحد أبرز النجاحات الدبلوماسية في موسم 2008 كونه يضع حدا لعقود طويلة من «سوء الفهم» بين البلدين ويلزم الطرف الايطالي بدفع التعويضات عن فترة احتلاله للتراب الليبي.
ويمكن القول: إن الاتفاق الليبي الايطالي قد مهد عمليا لعودة طرابلس بقوة إلى المجتمع الدولي، كما شجع السياسيين في ليبيا إلى التعجيل بحسم بقية الملفات العالقة وعلى رأسها ملف العلاقات الليبية الأميركية.
ومهد الاتفاق النادر الموقع بين طرابلس وواشنطن في 14 أغسطس الماضي من أجل تسوية مطالب البلدين حول تعويضات عن تفجيرات، الطريق لإعادة الدفء إلى العلاقات بين الجانبين. غير أن الزيارة التاريخية التي أدتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس إلى ليبيا قد وضعت مسارا جديدا للعلاقات بين ليبيا والولايات المتحدة.
و من الواضح أن ليبيا التي باتت الهدف الأبرز للسباق الغربي في حوض المتوسط لا تأخذ بمبدأ الخط الواحد في العلاقات الدولية وهو ما يعكس اختيار طرابلس لقاعدة الموازنة في السياسة الخارجية. وكان هذا منطلقا للجولة التي أداها العقيد معمر القذافي إلى الحليف القديم روسيا ومن ثم إلى الفناء السوفييتي السابق. ويظل 2008 أحد الأعوام الاستثنائية أيضا لأنه جنب ليبيا أضرار الأزمة المالية العالمية بفضل عائداتها النفطية ونمو اقتصادها الناشئ.
طرابلس ـ سعيد فرحات