يحتل حديث الهوية الخليجية مرتبة مهمة في التعاطي معه وإن كان لا يرتقي للوضع ذاته لدى تناوله على المستوى الإماراتي، إلى الحد الذي دفع مراقبين غربيين مثل الصحافي أندرو هاموند إلى الإشارة لما اعتبره مبالغة من مواطني الدولة، مقارنة بباقي الخليجيين، بشأن الهواجس التي تنتابهم على خلفية هذا الموضوع. وما بين التهوين الذي يحاول هاموند أو غيره النظر إلى الأمر من خلاله والتهويل الذي يبدو من تناول آخرين، فإن القضية في نظرنا تقع فيما يمكن اعتباره منزلة بين المنزلتين.

نزيد الأمر وضوحا بالإشارة إلى أن قضية الهوية، والتي هي في أكثر تعريفاتها شيوعا، تعبير عن وعي الإنسان بانتمائه إلى مجتمع أو أمة أو جماعة أو طبقة في إطار الانتماء الإنساني العام، تمثل الشغل الشاغل ليس على المستوى الخليجي وحده وإنما على مستوى كوني إلى الحد الذي يمكن القول انه يشمل كافة دول العالم، لا نستثني من ذلك أحدا، بما يمكن معه القول إن العالم كله في الهم سواء. وإن كان ذلك لا ينفي الطبيعة الخاصة التي تسم قضية الهوية على المستوى الخليجي عامة والإماراتي بشكل خاص على النحو الذي يفرض طرحها للنقاش في إطار من الهدوء والبعد عن الانفعال، إذا انطلقنا في ذلك من مبدأين أساسيين:

أول هذين المبدأين أشار إليه الدكتور حليم بركات ـ كتاب المجتمع العربي المعاصر ـ ويتمثل في انه ليس للفرد أو الجماعة أو الأمة هوية واحدة وإنما هناك تعدد للهويات على نحو لا يتطلب بالضرورة إقصاء الهويات الأخرى بل شملها ودمجها في مكون أساسي في نسيج المجتمع العام.

الثاني يتمثل فيما أشار إليه آخرون ـ صلاح سالم، جريدة الحياة 16 ديسمبر ـ من أن الهوية ليست أقنوما ثابتا يعطى للأمم مرة واحدة والى الأبد وبشكل يعلو على التاريخ، بل هي في تشكلها أقرب إلى النحت في صخور جرانيت حيث التطور بطيء جدا يفعل فعله بالتراكم والاستمرار منها إلى القطع في لدائن بلاستيك حيث التطور حاد قاطع يفعل فعله بالانقلاب والقطيعة.

تقويض الهويات الفرعية

من العموميات إلى التحديد نشير إلى أن التطورات التي يحياها العالم الآن وجعلته بحق أشبه بالقرية الصغيرة أطاحت بالحدود والحواجز على نحو كانت نتيجته الطبيعية تهديد الهويات الفرعية أو الأصلية لصالح هوية عالمية تعكس خصائصها وسماتها ومكوناتها الأساسية الطابع الغربي، بما يجعلنا نقرر دون تردد أن الهويات الفرعية تئن بحق تحت معاول العولمة. ورغم ذلك فإن هذا التطور لم يعن للغرب بأي حال من الأحوال الركون إلى أن هويته محفوظة وإنما ينتاب الكثير من أقطاره قلق الهوية على نحو قد لا يقل كثيرا عن ذلك القلق الذي ينتاب الأوساط الخليجية أو غيرها.

ليس أدل على ما نذكره من تلك اللمحة بالغة العمق التي أشار إليها البعض والمتعلقة بما يمكن وصفه انقراض مفهوم «الآخر».. فيما يعكس التداخل على كافة مستويات التفاعل سواء الجسدي أو الفكري أو الثقافي أو.. أو.. فيما بين المجتمعات الحديثة في ظل العولمة. وحسب هذه الرؤية فإنه إذا كان المسلمون مثلا شكلوا بالنسبة للغرب هذا الآخر حتى وقت قريب فإنهم لم يعودوا كذلك، حيث إن المسلمين أصبحوا كتلة سكانية كبيرة ضمن الكيان البشري الغربي. وبالتالي فإنهم لم يعودوا «هناك» وإنما «هنا» بين ظهراني هذا الغرب.. يعيشون بينهم ويأكلون أكلهم ويلبسون زيهم ويمشون مثلهم في الأسواق!

لا يقتصر الأمر على المسلمين بالطبع وإن أردنا ضرب المثال، حيث يمتد ليصل إلى حد تحول مدن الغرب الرئيسية، بل والفرعية إلى مدن «كوزموبوليتانية» لا يقل معدل الجنسيات التي تعيش فيها عن 50 جنسية تنحدر من دول تمثل الشرق والغرب والشمال والجنوب، الأمر الذي نجد مثيلا له في بعض مدن الدول الخليجية، وتحتل دبي، التي يجري الإشارة إليها بـ «الدولة المدينة» أو city state الكثير من الاهتمام والرصد حتى من قبل منتقدي قلق الهوية الخليجية.

وفي ذلك يتناول هاموند المشار اليه في صدر الموضوع في كتابه «what the arabs think of America» تجربتها بالفخر، مشيرا إلى أنها تقود العالم العربي في محاكاة العولمة على نحو يجعلها بيئة جاذبة للكثير من العرب من الأقطار الأخرى التي تعد ـ حسبه ـ دولا فاشلة بالمقارنة بنجاحها، بفعل ما تتميز به من الجرأة والاندفاع.

وهو أمر نلمسه كذلك مثلا فيما أشارت إليه الصحافية نتاشا بخاري في مقالها بـ «الميدل إيست تايمز» ـ 24 يوليو 2008 ـ المعنون بـ «دبي وطن حقيقي للكثيرين» من أن: دبي مكان تحترم فيه الممارسات الثقافية لكل مجموعة عرقية أو دينية..

إنه مكان تنشد فيه الأغاني العربية والإنجليزية والفرنسية والهندية والفلبينية بحماسة من قبل التلاميذ أثناء الطابور اليومي العام في العديد من المدارس الخاصة في المدينة.. إنه كذلك مكان تعمل فيه المرأة المحجبة جنبا إلى جنب مع من يلبسن التنانير القصيرة بهدف تنمية البلد، دون الحكم على بعضهن أو توبيخهن.

أزمة الهوية.. غربيا

ليس ذلك فقط بل إنه وفي دلالة بالغة على تفاعل أزمة الهوية في السياق الغربي، الذي يعتبره البعض مصدر الخطر الرئيسي على بقية الهويات العالمية، فإن الهاجس الأساسي في عدد من الدول الأوروبية ويصل إلى حد «الفوبيا» هو هاجس أسلمة أوروبا وسط مخاوف من تغير طابعها الديمغرافي والديني والثقافي والاجتماعي. والمشكلة، في تعزيز لما نذهب اليه، أن هذا الهاجس لايكاد يقتصر على دولة دون أخرى..

فالتجمعات السكانية المسلمة ? الآسيوية بشكل خاص ? في براد فورد ببريطانيا مثلا تشكل مجالا للتناول بشكل يعكس قدرا كبيرا من الاهتمام، والحديث عما يمكن أن يمثله الوجود الإسلامي بخصائصه العقائدية والفكرية من انقلاب على علمانية فرنسا يقض مضاجع الكثير من الفرنسيين والصورة لا تختلف كثيرا في ألمانيا إلى الحد الذي دفع بحكومة «بادن فورتنبيرغ» بداية عام 2006 إلى وضع قواعد جديدة لدوائر التجنيس فيها ومن بينها ما يطالب بالموافقة على عيش الشواذ جنسيا مع بعضهم كأحد شروط التجنيس في ضوء المخاوف من أن يكون لتزايد المسلمين من تأثير على قضية تدخل في عداد الحريات الفردية التي يراها الألمان سمة تميز هويتهم.

ما نود الإشارة إليه، دون خوض في مزيد من الأمثلة هو أن الخوف على الهوية أمر يتجاوز دول الخليج ويمتد ليشمل دول ينظر إليها على أنها راسخة الهوية. وأما على المستوى العالمي الأشمل فإن المهتمين بهذه القضية لا بد أنهم يدركون المخاوف التي تسيطر على الكثير من الهويات الوطنية في دول العالم المختلفة من الأمركة.. الموجة الطاغية التي تفرض نفسها بفعل طوفان العولمة.

فالكثير من الأوساط، عربية وغير عربية، هندية وصينية ويابانية ، ينتابها خوف طاغ من ضياع هوياتها بفعل الغزو الثقافي الأميركي.. فالشباب في العديد من دول العالم يبدون أقل اكتراثا بثقافتهم من شعر او أدب أو موسيقى وأفلام، على نحو يشير معه كثيرون الى ملامح على اندثار الهويات الأصلية لصالح مكون آخر غير محدد المعالم.

مخاطر على الهوية الأميركية

ولا نبالغ إذا ما ذهبنا إلى أن تحديات العولمة لم تغب حتى عن الدولة التي ترى الكثير من المجتمعات الإنسانية أنها تمثل مصدر التهديد للهويات الوطنية وهى الولايات المتحدة على نحو ما أشرنا سابقا. وفي ذلك مثلا يرى المفكر الأميركي الراحل صموئيل هنتنجتون أن التقدم في وسائل الاتصالات والمواصلات ? الذي يعد من أبرز مظاهر العولمة ?

يمثل أحد التحديات الضخمة أمام الهوية الأميركية حيث أدى الى ربط المهاجرين الجدد الى الولايات المتحدة بمجتمعاتهم القديمة بشكل قوي وغير مسبوق ما أضعف من اندماجهم بالمجتمع الأميركي وسهل عملية تواصلهم مع مجتمعاتهم الأصلية وشجع المهاجرين الجدد على الحفاظ على ثقافاتهم الأصلية وهوياتهم الأجنبية ومحاولة نشر هذه الهويات بين أبناء بلدانهم في الولايات المتحدة.

ومن بين المخاطر التي يراها هنتنجتون وأوردها في كتابه «من نحن؟» سياسات الهجرة الأميركية الحديثة التي ساعدت على تدفق ملايين المهاجرين الى أميركا منذ الستينات دون وضع ضمانات كافية لدمج وصهر موجات الهجرة الجديدة.

كما يبدي هنتنجتون كذلك قلقه ممن ينادون بإقرار اللغة الأسبانية كلغة ثانية رسمية ويرى أن ذلك يعد أحد أخطر التهديدات الموجهة للهوية الأميركية لأن ينذر بتحول أميركا الى بلد ذي هوية لغوية ثنائية إنجليزية أسبانية، الأمر الذي قد يبرر مخاوف البعض من تراجع الهوية الخليجية في ضوء أن الإنجليزية مثلا تكاد أن تتحول الى لغة أولى بالنسبة للعربية في دول الخليج.

القضية المحورية هنا ليست وجود معضلة أو أزمة هوية وإنما كيفية التعاطي مع هذه المعضلة.. والسؤال الذي يفرض نفسه في معرض طرح هذه القضية هو: هل يمكن التوصل الى رؤية يمكن من خلالها اعادة بناء الهوية الخليجية وتقديم صورة أخرى للهوية تقوم على استيعاب المتغيرات والتحديات التي فرضتها العولمة، وما هي هذه الصورة والى أي حد يمكن أن تمثل تفريطا في العناصر الأساسية المكونة للهوية الأصيلة أو الأصلية؟ ما نخلص إليه هو أنه ليس المهم وجود المعضلة بقدر ما هو التعرف على أسبابها والتعاطي معها بمنطق محاولة الوصول الى حل لها.

وفي مجال الاعتبار نشير إلى أنه حتى فترة غير قصيرة من هجرة الأوروبيين إلى العالم الجديد في الأميركيتين لم يكن هناك ما يمكن اعتباره «هوية أميركية» بل كان إطلاق توصيف أميركي على المنحدرين من أصول أوروبية ويعيشون في مستعمرات بريطانية في أميركا الشمالية خلال القرن الثامن عشر أمر يعبر عن التحقير، غير أن الأميركيين استطاعوا فيما بعد تعزيز هذه الهوية إلى الحد الذي بات معه كل أميركي يشعر بالفخر بالانتماء إلى هذه الهوية.

وإذا كان المواطن الخليجي يشعر بالفخر بانتمائه ? مع اختلاف الأسباب والإطار ? فإن ذلك قد يكون أحد الأسس التي يمكن البناء عليها من أجل تعزيز الهوية الخليجية.. وإن كان الأمر يتطلب صدق العزيمة وقوة الإرادة، الأمر الذي يبقى رهن ما يتحقق على أرض الواقع.

مصطفى عبد الرازق