لم تكن هناك حتى مطلع العام 2004 أية مشاكل حول البرنامج النووي الإيراني، حيث أبدت طهران تعاوناً ملحوظاً وإيجابياً مع وكالة الطاقة الذرية، وفتحت أبوابها على مصراعيها للمفتشين الدوليين، وأشادت دول أوروبا بهذا التعاون، وخصوصا فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وتعهدت هذه الدول الثلاث بتقديم المساعدات الفنية لإيران لتوفير الطاقة النووية لأغراض سلمية.
وذلك بعد أن وافقت إيران على توقيع البروتوكول الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي وتعليق برامج تخصيب اليورانيوم التي تثير الشكوك عن النية لتصنيع السلاح النووي، وأشادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتعاون إيران واستجاباتها لطلبات الوكالة كافة، فما الذي حدث حتى تتعكر الأجواء وتصل الأزمة إلى هذا الحد؟ لاشك أن لواشنطن دورا كبيرا في تصاعد حدة الأزمة التي بدأت مطلع صيف العام 2004 بتصريحات للمتحدث باسم الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر بأن إيران تخفي جوانب مهمة ومثيرة للقلق في برنامجها النووي. كانت هذه هي بداية الأزمة التي تصاعدت ووصلت إلى ما وصلت إليه الآن؟.
لمحة تاريخية: يحتاج شرح أبعاد هذه الأزمة وأسبابها إلى إلقاء الضوء ولو بإيجاز على مراحل تطور البرنامج النووي الإيراني، فقد اتجهت طهران في عهد الشاه للطاقة النووية بالتحديد بعد أزمة النفط العام 1973 حيث زادت عائدات إيران من النفط بشكل ملحوظ بعد ارتفاع أسعاره، الأمر الذي جعل إيران تفكر في كثير من مشروعات التنمية الصناعية وخصوصا في مجال الطاقة. وظهرت مؤشرات أن نفط إيران لن يكفي للتصدير في العام2020 ، ولهذا قررت طهران التوجه للطاقة النووية لتوفير النفط للتصدير، وتأسست العام 1973 مؤسسة الطاقة النووية الإيرانية، وسعت هذه المؤسسة لعقد اتفاقات مع شركات ألمانية وفرنسية وأيضاً شركات أميركية لبناء محطات لتوليد الطاقة النووية في إيران، هذه الاتفاقات التي توقف تنفيذها بعد الثورة الإيرانية العام 1978 ومن أهمها اتفاق في العام 1974 مع شركة «كرافتويرك» الألمانية لبناء وحدتين لتوليد الطاقة النووية بالقرب من بوشهر، ويقال إن قيمة هذا الاتفاق للمحطتين تجاوزت الستة مليارات من الدولارات.
وقبل قيام الثورة الإيرانية كان قد تم بناء 60% من المحطة الأولى التي كان من المفترض أن تبدأ إنتاجها من الطاقة النووية العام 1980 وفي الوقت نفسه كانت شركات فرنسية تبني محطات أخرى في جنوب غرب إيران، بينما لم تكن الاتفاقات مع الشركات الأميركية التي عقدت العام 1975 قد دخلت بعد في مراحل التنفيذ، وتوقف كل شيئا بعد الثورة بقرار وضغوط من واشنطن، علما بأنه لم يثار آنذاك أي حديث بشأن نية إيران لإنتاج السلاح النووي، الأمر فقط كان مجرد عقوبات فرضتها واشنطن على إيران الخميني.
منافسة غير شريفة
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كان قطاع الطاقة النووية في روسيا يعاني من أزمة مادية حادة تهدد بقاءه، ووجدت موسكو فرصة ذهبية في إيران للحصول على المال الذي يدعم القطاع النووي الروسي، ووجدت إيران فرصة ذهبية في روسيا لاستكمال بناء محطة بوشهر التي تركها الألمان قبل إتمامها، وعرضت روسيا اتفاقا باستكمال المحطة وبناء المحطة الثانية أيضاً وبكلفة أقل من نصف ما طلبت الشركات الألمانية، وتم بالفعل توقيع اتفاق بين طهران وموسكو في يناير 1994 لاستكمال محطة بوشهر وبناء المحطة الثانية.
وكان هذا الاتفاق بمثابة طوق النجاة لصناعة الطاقة النووية الروسية، وقيل إن كلفة الاتفاق بلغت 800 مليون دولار لاستكمال المحطة الأولى، ونحو مليار ونصف من الدولارات لبناء المحطة الثانية، وعلى رغم أن هذه الكلفة أقل بكثير مما طلبته الشركات الألمانية إلا أنها بالنسبة إلى روسيا كبيرة ومربحة تماما، وذلك ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية السيئة في روسيا، ولكن لسبب آخر» مهم ومحوري للغاية» في قضية الصراع النووي الدائرة على الساحة الدولية الآن، هذا السبب هو انخفاض كلفة التكنولوجيا النووية الروسية بكثير عن قرينتها الغربية.
كما قال وزير الطاقة الروسي الأسبق فيكتور ميخائيلوف ان روسيا تبني محطة الطاقة النووية بكلفة لا تزيد عن ثلث تكلفتها لدي الشركات الغربية، ولهذا يطاردوننا في الأسواق، ويضغطون على الدول بمختلف الوسائل لمنعها من التعامل معنا، وربما يفسر هذا لنا موقف فرنسا وألمانيا وبريطانيا الأخير والمؤيد بشدة لواشنطن ضد إيران، فالقضية تهمهما ربما أكثر من واشنطن لأنها تهدد صناعة التكنولوجيا النووية لديهما.
الرئيس الروسي بوتين عندما سأله أحد الصحافيين في سبتمبر العام 2003 عن موقف موسكو من أزمة البرنامج النووي الإيراني أجاب بجملة واحدة لم يعلق عليها حيث قال إن سوق التكنولوجيا النووية العالمية يسودها سوء النية والمنافسة غير الشريفة.
السوق الواعدة
القضية في رأي كثير من المحللين السياسيين في روسيا وخارجها أيضاً ليست تهديدات انتشار السلاح النووي أو امتلاك إيران له، وتستطيع إيران وأية دولة أخرى أو حتى منظمة إرهابية أن تشتري السلاح النووي من السوق السوداء العالمية وبأسعار أقل عشرات المرات من كلفة تصنيعه، ولكن القضية في الأساس قضية سوق عالمي للطاقة النووية يتوقع لها كثيرون أن تحل محل السوق العالمية بعد عقدين من الآن، عندما توشك احتياطيات النفط العالمية على الانتهاء.
ولقد بدأ التنافس على هذه السوق النووية من الآن بين الدول الكبرى المنتجة للتكنولوجيا النووية ومن المعروف أن روسيا هي أكبر دول العالم إنتاجا لليورانيوم، ولديها تكنولوجيا نووية تقل في كلفتها نحو ثلاث أو أربع مرات عن التكنولوجيا الغربية، والصراع على السوق الإيرانية الكبيرة هو البداية، ومن يكسبها سيكون له وضع ومكانة كبيرة في السوق العالمية المقبلة.
أما قضية تصنيع السلاح النووي والتهديد به فهي ليست القضية الرئيسة، خصوصا إذا علمنا أن أية دولة تملك أبسط الإمكانات من التكنولوجيا النووية تستطيع إنتاج السلاح النووي بسهولة، وهذا ما قاله عبد القادر خان أبو القنبلة النووية الباكستانية، وبالتالي فلا توجد أية ضمانات بشأن عدم سعي أية دولة تملك هذه التكنولوجيا لتصنيع السلاح النووي في المستقبل مهما كانت رقابة الوكالات والمنظمات الدولية المتخصصة.
ولدى بعض الدول مثل أسبانيا والأرجنتين والبرازيل وغيرها تكنولوجيا نووية أكبر بكثير مما لدى إيران، لكنهم لا يشكلون مشكلة بالنسبة إلى واشنطن والغرب لأنها تكنولوجيا غربية وأميركية، المشكلة كما يراها كثير من المحللين هي غزو دول مثل روسيا والصين وربما كوريا الشمالية بإنتاجهم منخفض الكلفة للسوق العالمي للتكنولوجيا النووية التي تحقق أرباحا هائلة، وربما هذا يفسر لنا اعتراض فرنسا وألمانيا وبريطانيا على البرنامج النووي الإيراني، وتأييدهم لواشنطن في هذا الموقف، ويفسر لنا من ناحية أخرى تصميم روسيا رغم كل الضغوط على استمرار تعاونها النووي مع إيران.
هذه المقدمة حول الصراع والتنافس في سوق التكنولوجيا النووية العالمية يأتي السؤال، إذا كانت القضية مجرد منافسة في الأسواق، فلماذا لم نسمع هذا الأمر من الجانب الإيراني الذي لم يتوقف عن تصعيد الأزمة وإطلاق التهديدات والشعارات المعادية للغرب وواشنطن وإسرائيل والإعلان عن التصميم على التخصيب الكامل لليورانيوم، والاحتفال المبالغ فيه بإطلاق الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى؟
للإجابة عن هذه الأسئلة نقول، انه كثيرا ما تلجأ بعض الأنظمة الحاكمة التي تواجه مشاكل داخلية حادة وفورانا شعبيا مستمرا إلى حيلة متعارف عليها، وهي إلهاء الشعوب في قضايا وأزمات خارجية وخلق نزاعات وعداءات مع دول أخرى واصطناع مشاريع قومية يتم تضخيمها وطرحها على الشعب من خلال شعارات واستعراضات قوة مبالغ فيها تثير لدى الشعوب المطحونة نعرات القومية والوطنية وتلهيها عن مشاكلها الداخلية ومعاناتها المستمرة.
وغالبا ما تأتي هذه الحيلة بنتائج إيجابية وتعطي النظام جرعة مقوية وقدرة على الاستمرار والصمود وتكبح جماح الغضب والفوران الشعبي الداخلي، ولكن إلى حين، فما تلبث جرعة الشحن القومي الوطني أن يضعف مفعولها وتذهب ليفيق الشعب مرة ثانية على معاناته ومشاكله الداخلية ويبدأ في الاعتراض والغليان فيذهب النظام ليبحث عن قضية أخرى خارجية يصنع من خلالها مشروعا قوميا آخر ليلهي به الشعب مرة أخرى.
السؤال هل ينطبق هذا السيناريو على ما يجري من قبل طهران؟ يشير البعض في هذا الخصوص إلى ما يعتبره أزمة تواجه النظام الإيراني منذ قيام الثورة نهاية السبعينات وحتى الآن. وتتمثل هذه الأزمة في عدم القدرة على تحقيق خطط التنمية الداخلية في ظل الحصار الدولي المفروض على مدى أكثر من ربع قرن مع مسلسل العقوبات الدولية المستمر والمتنامي، وقد تركت هذه الأزمة آثارها السلبية الكثيرة على واقع المجتمع الإيراني الذي بات يغلي من الداخل بشكل بات أيضاً يشكل مشكلة تهدد بقاء النظام واستمراره.
لقد استشعر نظام الثورة الإيراني أزمته الداخلية منذ البداية فلجأ على الفور إلى التصعيد مع القوى الخارجية الكبرى المترصدة به، وكان أجدر به أن يهادن ويتحاور دبلوماسيا على الساحة الدولية ويتفادى تصعيد العداءات والأزمات حتى يلتقط النظام الثوري الجديد أنفاسه ويلملم أوراقه الداخلية ويصنع قاعدته الشعبية الواقعية وليست القاعدة الثورية التي هدأت ثورتها وأحبطت بسبب الأزمات الداخلية المتفاقمة.
ولم تكد تهدأ أزمة رهائن السفارة الأميركية حتى بدأ النظام يستجيب لتحرشات وتصعيدات النظام العراقي السابق للدخول معه في حرب السنوات الطويلة التي وجد فيها النظام الإيراني ضالته ومشروعه الوطني الذي يعطيه جرعة البقاء والاستمرار مع كم الأزمات والمشاكل الداخلية والانهيار الاقتصادي والحصار الدولي الخانق. ولم يكد يمر عام واحد على نهاية الحرب العراقية الإيرانية حتى عادت الأزمات الداخلية للظهور على السطح وعادت أزمة النظام تستفحل وتنمو، ولم يكن لدى النظام آنذاك مشروع قومي ووطني خارجي يحشد وراءه الشعب ويلهيه عن مشاكله الداخلية.
من هنا جاء التصعيد التدريجي في أزمة البرنامج النووي الإيراني بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وما تكاد تهدأ هذه الأزمة قليلا على الساحة وينشغل عنها البيت الأبيض في واشنطن في مشاكله حتى شعر النظام الإيراني بتوترات داخلية فكان البحث عن أي وسيلة للتصعيد وخلق الأزمات الخارجية، وما التصريحات الأخيرة الصادرة عن أطراف في النظام الإيراني والتي تمس بشكل مباشر سيادة الدول العربية المجاورة له إلا شكلا من أشكال ممارسات النظام وأزمته المستمرة، خاصة، أنها تأتي مواكبة لتهدئة ملحوظة تجاه إيران من جانب إدارة الرئيس أوباما في البيت الأبيض .
د. مغازي البدراوي