تمر العلاقات الأميركية الإيرانية بمرحلة جديدة اختفت فيها لغة التهديدات وحلت بدلا منها دعوات الحوار، فالتصريحات الصادرة من العاصمتين واشنطن وطهران تتسم بالتهدئة المحسوبة القريبة من الغزل السياسي. وقد عبر كلا الطرفين علنا عن رغبته في بداية جديدة قد تطوي بعضا من الصفحات السابقة بينهما.
لكن يبدو أن كل من أميركا وإيران مازالتا في مرحلة استطلاع النوايا أو بالأدق جس النبض، اذ يبدو أنهما وهما يتخليان (نوعا ما) عن سياسة عض الأصابع الموجعة، يفضلان الانتقال إلى مرحلة التروي والانتظار، من موقع المثابرة المبنية على سياسة النفس الطويل. ليتدارس كل منهما ردود فعل الآخر، قبل الإقدام على اعتصار اليد عند المصافحة المرتقبة بينهما.
مؤشرات الغزل
وهناك مؤشرات عدة تدل على هذه الحالة الجديدة المتبادلة بين واشنطن وطهران، ومن هذه المؤشرات نرصد التالي:
أولا- الجانب الأميركي: يعود التغير في اللهجة السياسية من جانب واشنطن تجاه طهران إلى أجواء الانتخابات الرئاسية الأميركية، ففي خلال حملته الانتخابية أعلن باراك اوباما ضمن شعار(التغيير) الذي رفعه انتخابيا انه سيتبنى خطا مغايرا لسياسة الرئيس بوش تجاه إيران، مشيرا إلى رغبته في إجراء حوار مباشر معها.
وبعد نجاحه في الانتخابات وتوليه الرئاسة بدأت عملية برمجة هذا المطلب في السياسة الأميركية ، ضمن تصريحات صدرت عن مساعديه ومنه أيضا، فبعد أيام من مباشرته مهام عمله، قالت السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة سوزان رايس ان بلادها ستجعل البرنامج النووي الإيراني (أولوية دبلوماسية كبرى وستسعى إلى مباحثات مباشرة مع طهران). وأردفت أن واشنطن ستستمر في ممارسة ضغوط على إيران بالتعاون مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
وعلى المستوى العسكري قال قائد القوات المشتركة في أفغانستان الأدميرال مايكل مولن انه يفضل حلا إقليميا لأزمة أفغانستان يتضمن إيران بوصفها بلدا مجاورا، رغم ماتفرضه طموحات إيران النووية، ويمكننا التحاور معها وإيجاد اهتمامات متبادلة.
ويعني هذا التناغم في التصريحات بين السياسة والعسكرية الأميركيتين أن هناك رغبة جادة فعلا لتأسيس مرحلة جديدة مع إيران من واقع الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه المنطقة ، ومنها إيران. وتعني أيضا ان المؤسسات الأميركية غيرت جلدها من البوشية إلى الأوبامية، بما يؤكد ان رؤية اوباما للعلاقات مع إيران صارت تفرض نفسها على الجميع.
ولم تقف حدود الغزل عند رايس ومولن ،بل ان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن عبر عن هذه المعاني ذاتها في مؤتمر ميونخ الدولي للسياسة الأمنية الذي عقد في نهاية يناير الماضي، مشيرا إلى أن أميركا (مستعدة لإجراء محادثات مع طهران وعرض خياراتها الواضحة).
وفي مطلع التاسع من فبراير المنصرم تحدث الرئيس باراك اوباما صراحة عن نفس الموضوع، وجدد رغبته في (اجراء حوار مباشر مع إيران)، وقال انه يرى(احتمالا لإجراء حوارات دبلوماسية جديدة مع طهران في الأشهر المقبلة، بما يمكننا ان نجلس على جانبي الطاولة وجها لوجه، وأن تحدث مفاتحات دبلوماسية تمكننا من التحرك بسياستنا إلى مسار جديد).
ثانيا- الجانب الإيراني: فور إعلان فوز باراك اوباما في الانتخابات الرئاسية أرسل الرئيس الإيراني أحمدي نجاد رسالة تهنئة اليه في السادس من نوفمبر الماضي، أي بعد يومين فقط من إعلان النتائج. وقد حظيت هذه التهنئة باهتمام كبير من مساعدي أوباما، وكشفت بعض التقارير أنهم قابلوها برسالة مطولة من جانبهم. وفي احتفالات الذكرى الثلاثين للثورة الإيرانية أعلن نجاد ترحيبه بالحوار مع الولايات المتحدة، وقال: (إن الشعب الإيراني مستعد لإجراء مباحثات مع الولايات المتحدة في مناخ عادل... وفي جو من المساواة والاحترام المتبادل)، مشيرا إلى ضرورة احداث تغيير جذري في السياسة الأميركية تجاه إيران.
وتناغم مع تصريحات نجاد كل من علي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الذي دعا أميركا إلى لعب الشطرنج بدلا من الملاكمة،كما أكد ذات المضامين أيضا منوشهر متكي وزير الخارجية في منتدى دافوس. وبالتزامن مع ذلك كشف رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي مؤخرا(26فبراير) أن طهران طلبت من أنقره التوسط لحل المشكلات بينها وبين الحكومة الأميركية. وأضاف أنه يخطط لفتح الموضوع مع أوباما في ابريل المقبل، ضمن أعمال مؤتمر مجموعة العشرين المقرر عقده في لندن . ولكن ايران عادت ونفت ذلك يوم الاثنين الماضي .
أسباب التغير
هذه الأجواء الأميركية الإيرانية التي تبدو جديدة مهدت لها مضطرة ادارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش قبل رحيلها بأشهر عن البيت الأبيض، وتحديدا في شهر يوليو الماضي، في لقاء جنيف الذي تم بين البلدين ، وشارك فيه كل من سعيد جليلي رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني والمفاوض عن الملف النووي، وويليام بيرنز وكيل وزارة الخارجية الأميركية.
وكانت تلك المرة الأولى التي يلتقى فيها مسؤولون من الطرفين علنا منذ سنوات، وفي اللقاء طرحت فكرة إقامة مكتب لرعاية المصالح الأميركية بطهران. كما طرحت فكرة إقامة خط جوي مباشر بين والبلدين، وذلك لأول مرة منذ حالة العداء السياسي بين الطرفين قبل نحو ثلاثين عاما، هي عمر الثورة الإيرانية.
وكان هذا التقارب الذي اتخذته ادارة بوش متأثرا بعاملين هما: أجواء الانتخابات الأميركية التي اعلن فيها اوباما خطته بشأن المحادثات المباشرة مع إيران ، والضغوط التي وضعت فيها إيران الولايات المتحدة آنذاك فيما يتعلق برفضها للاتفاقية الأمنية بين واشنطن وبغداد. واليوم لا تخلو حالة التقارب الأميركي الإيراني من ظلال بعض هذه الأسباب ويمكن تلخيصها في التالي:
(1) فشل السياسة الأميركية التي اتبعتها واشنطن ضد طهران خلال السنوات الثلاثين الماضية، سواء بتوريطها في حروب إقليمية أو محاصرتها اقتصاديا وسياسيا من خلال نظرية الاحتواء المزدوج بهدف إسقاط النظام أو إضعافه . فهذه السياسات ساهمت في تقوية النظام داخليا وتقوية إيران خارجيا.
(2) تأكد الولايات المتحدة من عدم جدوى الحلول العسكرية ضد إيران، بعد فشل سياساتها في العراق وأفغانستان، ومن ثم فلم يكن بمقدرة واشنطن القيام بأعمال عسكرية ضد طهران. يضاف إلى ذلك ان إيران بما حققته من تقدم علمي وعسكري استطاعت ردع الآلة العسكرية الأميركية عن القيام بأي عمل عسكري ضدها، خاصة في ظل الارتباط بعلاقات قوية مع دول الجوار اوالنجاح في تحييدها عن التورط في عمل عسكري مباشر ضدها، مستفيدة مما جرى من جانب أميركا ضد العراق.
(3) تحول إيران إلى لاعب قوي في الساحة الإقليمية ومنها الساحة العربية على وجه الخصوص. وتمكنها من هزيمة المشروع الأميركي الشرق أوسطي في المنطقة عبر التحالف مع حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، وتمكن حركات المقاومة بالفعل من هزيمة إسرائيل وضربها في العمق، بل والتمكن من ضرب كل ثوابت المشروع الصهيوني على صعيد التوسع واحتجاز الأسرى، إلى جانب اسقاط نظرية الأمن الإسرائيلي من خلال قصف العمق بالصواريخ.
(4) وجود تغير في السياسة الأميركية من جانب أوباما تجاه المنطقة العربية والإسلامية عموما وفق الرغبة التي أعلنها. ويأتي الملفان الإيراني والعراقي على رأس الملفات التي يشملها التغيير، وذلك نظرا لتوجه الإدارة الأميركية نحو أفغانستان، باعتبارها مصدر الخطر على الولايات المتحدة الأميركية،وخاصة في ظل السياسة الجديدة لمكافحة الارهاب.
وتحتل إيران مكانة بارزة لدى الساسية الأميركية فيما يتعلق بالوضع الأفغاني، خاصة وان سوابق الحوارات بينهما قادت إلى تفاهمات على الساحتين العراقية واللبنانية. ويعد الموقف الأميركي في أفغانستان شديد الصعوبة بعد اغلاق قيرغيزيا قاعدة ماناس العسكرية في وجه الولايات المتحدة،وهو ما يشير إلى امكانية تعظيم الدور الإيراني أميركيا في أفغانستان، خاصة وأن الطرفين يشتركان في العداء لحركة طالبان.
(5) ترغب الولايات المتحدة في استثمار أجواء الانتخابات الإيرانية المقبلة لتقوية التيار الإصلاحي على المحافظين الذين يقودون إيران حاليا وفي مقدمتهم أحمدي نجاد، وليس لديها أفضل من الانفتاح على إيران لتحقيق ذلك، خاصة مع إعلان الرئيس السابق محمد خاتمي نيته الترشح في الانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو المقبل. (6) رغبة إيران في الحصول على مكاسب إقليمية في ظل الحاجة الأميركية إليها، ومن ذلك الحصول على اعتراف أميركي، ومن ثم اوروبي بدورها الاقليمي .
عقبات على الطريق
هذه الأسباب كلها وغيرها سوف تشكل الأرضية التي تقف عليها محاولات التقارب بين الطرفين، وهي لاتزال منزرعة بكثير من الألغام ، وأولها اصطدام الطموحات الإيرانية بعدم قبول أميركي وأوروبي. ففي الوقت الذي أعلنت إدارة أوباما عن رغبتها في التقارب، لم تقدم حتى الآن أي عرض محدد لإيران يمكن مناقشته والتباحث فيه، فالأمر لم يتعد حدود بيع الكلام .
وهذا ما عبر عنه منوشهر متكي عندما قال في منتدى دافوس:(إن بلاده مستعدة للتعاون مع الادارة الأميركية الحالية ، لكنها تنتظر أن يقرن أوباما حديثه عن التغيير بالأفعال وليس بالأقوال)، إلى جانب ذلك فان تمسك إيران ببرنامجها النووي وباستمرار تخصيب اليورانيوم، وكذلك نجاحها في اطلاق قمر صناعي مؤخرا إلى الفضاء، وتمكنها من التشغيل التجريبي لمحطة بوشهر النووية يزيد من قلق أميركيا وشكوكها تجاه إيران، بقدر ما تشكل هذه الانجازات قوة لموقف إيران التفاوضي.
وما يعقد مواقف الطرفين أيضا هو الاصرار على فتح الملفات القديمة، فإيران تريد من الولايات المتحدة تقديم اعتذار عن سياساتها السابقة وحتى الآن. وهذا ما طالب به صراحة الرئيس الإيراني. وتحدث به أيضا وزير خارجيته ردا على دعوة جوبايدن نائب الرئيس الأميركي في مؤتمر ميونخ، على الرغم من أن ذلك كله يستهدف في المقام الأول تقوية موقف الرئيس نجاد والمحافظين داخليا.
ومن جانبها تتعمد واشنطن وهي تنشر حالة من الأجواء الموحية بالانفتاح تجاه طهران، أن تظهر في الوقت ذاته قدرا كبيرا من التشدد، مثل اعلان سوزان رايس تعليقا على التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، انه يؤكد التوقعات والمخاوف الأميركية بشأن البرنامج النووي الإيراني. يضاف إلى ذلك أن واشنطن تسعى أيضا إلى توسيع قاعدة الضغوط الدولية ضد إيران عبر استخدام روسيا لإيقاف البرنامج النووي، فقد نوهت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية مؤخرا بإمكانية اعادة النظر في نشر الدرع الصاروخي اذا أوقفت إيران مشروعها النووي.
وهذا مانفاه الرئيس اوباما يوم الثلاثاء الماضي في حين لم يصدر مايكذب ذلك من موسكو . وهناك موقف آخر من جانب واشنطن يتسم بالتشدد تجاه إيران، وتمثل في الابقاء على مهندس العقوبات المالية والاقتصادية ضد إيران في عهد الرئيس بوش وهوستيوارت ليفي وكيل وزارة الخزانة الأميركية، مما يعني التلويح امام إيران بإمكانية العودة إلى سياسة العقوبات التي اتبعتها الإدارة السابقة، وكذلك تعيين دينيس روس مستشارا خاصا لوزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الخليج وغرب آسيا، وهو الاختيار الذي قابلته طهران باستياء، مشيرة إلى أن روس لايعرف سوى لغة التهديد وأنه واقع تحت التأثير الصهيوني.
وهذا كله يدلل على ان كلا منهما يريد اعتصار الآخر قبل التحدث معه من منطلق تقوية موقفه التفاوضي، فبينما لم تقدم واشنطن أي عرض محدد، فإن طهران من جانبها لم تقدم أي تنازل، بل زادت ثوابتها قوة.
محددات أخرى
هذه المواقف قد تبدو متناقضة من الطرفين، لكنها محصلة لصراعات و ضغوط داخلية . فالموقف الإيراني محكوم بالصراعات الجارية في الداخل، فالرئيس نجاد الذي عرف بتشدده تجاه السياسة الأميركية لن يغير موقفه الاستراتيجي فجأة، بما يفقده جماهيريته ومكانته، إلى جانب ان إيران تريد من واشنطن اتفاقا بالجملة تسوي فيه القضايا الخلافية ، فهي تريد اعترافا أميركيا كاملا بدورها الإقليمي، واعترافا أميركيا وأوروبيا بمشروعها النووي، والكف عن محاولات زعزعة الاستقرار بهدف إسقاط النظام، وتوقف الغرب عن دعم منظمة مجاهدي خلق. وإنهاء العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأموال المجمدة.
أما الولايات المتحدة فهي تريد التعاون مع إيران في ملفات محددة مشتركة بينهما بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى ومنها المشكلة الأفغانية، وأمن منطقة الخليج، وأمن إسرائيل، وما يترتب على ذلك من التوقف عن دعم حركات المقاومة في لبنان وفلسطين. وتعد قضية الأمن عقبة كبرى امام تحقيق التقارب بين واشنطن وطهران، فالولايات المتحدة لاتستطيع التضحية بمصالحها العربية، خاصة مع القوى الاقليمية الكبرى مثل مصر والسعودية من أجل اتفاق شامل مع إيران.
كما لا تستطيع الإقدام على الأمر نفسه من دون ان تقدم إيران تنازلات تجاه إسرائيل. وهذا يفسر السير الأميركي في اتجاهي التقارب والتشدد في آن واحد. ومن ثم يمكن القول ان ادارة أوباما يصعب عليها أن تقدم على تحقيق تغيير جوهري في الموقف من إيران، لكن التغير المحتمل سيكون جزئيا على صعيد بعض الملفات المشتركة التي لاتغضب بعض العرب والإسرائيليين وكذلك الأوروبيين.
وهؤلاء جميعهم يخشون من أي انفتاح أميركي حقيقي على إيران، ومن أجل عدم اتمام ذلك يصطنعون الأزمات بين الحين والآخر. فإسرائيل لاتزال تصر على نبرة التهديد والوعيد تجاه النووي الإيراني. والأوروبيون من جانبهم استغلوا اطلاق القمر الإيراني في التعبير عن قلقهم، معلنين أنهم يدرسون فرض مزيد من العقوبات . أما الجانب العربي فهو منقسم على نفسه بين فريق يعتبر إيران حليفا استراتيجيا وفريق آخر يعتبرها ندا لدودا. ومن اجل ذلك كان الموقف القوي بشأن التصريحات التي صدرت عن ناطق نوري المفتش الخاص بمكتب المرشد الأعلى للجمهورية بشأن البحرين.
وايا كانات العقبات التي تعترض تحقيق التقارب الأميركي الإيراني فإن المتوقع أن تشهد العلاقات بين الطرفين تغييرات باتجاه تخصيب التفاهم وتجميد العداء نوعا ما ، لأن كلا منهما غير قادر على اقصاء الآخر أو التخلص منه، ومن ثم لايبقى أمامهما سوى التعايش والتعاون لحاجة كل منهما إلى الآخر، وهو ما اقتنع به الطرفان مؤخرا، ولكن أين موقع العرب في هذه المعادلة المتوقعة والتي حددها أوباما بالأشهر المقبلة ؟
أحمد الكناني