حالة من التفاؤل سادت العالم وخاصة منطقة الشرق الأوسط بعد إعلان فوز باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة خلفا لسلفه جورج بوش الابن وتنفس الجميع الصعداء على أمل أن يتغير وجه العالم على يد أوباما الإفريقي الأصل منطلقا من إحساسه بمشاعر المظلومين والمطحونين في العالم من التجاوزات التي تعرض لها السود في الولايات المتحدة.
وزاد من حالة التفاؤل الإرهاصات والمؤشرات التي أعقبت تولي الإدارة الأميركية الجديدة والرسائل الإيجابية التي بعثت بها عقب توليها مهامها تجاه العديد من الدول وخاصة إيران وسوريا والإعلان عن انسحاب القوات الأميركية من العراق وأيضاً تجاه الوضع في أفغانستان وإغلاق معتقل غوانتانامو. وحول مستقبل العلاقات الأميركية مع كل من إيران وسوريا في ظل إدارة باراك أوباما والتوجهات الجديدة ، يؤكد سفير مصر الأسبق في واشنطن ورئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير عبد الرءوف الريدي وجود تغيرات في لغة الخطاب السياسي والإعلامي للإدارة الأميركية الجديدة بقيادة باراك أوباما، وهذا التغير برز واضحا في رغبة الإدارة الأميركية فتح صفحة جديدة مع دول منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص وفتح حوار وإقامة قنوات اتصال لا سيما مع الدول التي كانت تأخذ منها الإدارة السابقة مواقف عدائية مثل إيران وسوريا بعيدا عن لغة التهديد والوعيد أو استخدام سياسة (العصا والجزرة).
تغيرات أميركية
ودلل الريدي على التغيرات التي طرأت في السياسة الأميركية تجاه منطقة الشرق أوسط بتعيين جورج ميتشل الذي يحظى بثقة كبيرة من الدول العربية والإسلامية كمبعوث خاص للمنطقة منذ اليوم الأول لتولي أوباما مهامه بالبيت الأبيض وإعلان الإدارة الأميركية عن رغبتها فتح حوار مع إيران وتعيين دينيس روس مبعوثا خاصا لمنطقة الخليج وغرب أسيا وهو ما يعني إيلاء اهتمام خاص بالخليج وإيران وأفغانستان وباكستان.
ونوه إلى أن هناك إشارات إيجابية بين واشنطن وكل من طهران ودمشق بررت هذه الرسائل من خلال إعلان دمشق استعدادها لفتح صفحة جديدة مع الإدارة الأميركية الجديدة والتجاوب مع العملية السلمية وأية وساطة للتفاوض مع إسرائيل لتحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة وتلميحها إلى إمكانية أن تكون همزة الوصل بين واشنطن وطهران وممارسة ضغوط على الفصائل الفلسطينية الموجودة على أراضيها وإمكانية التعاون والتنسيق مع تحالف الاعتدال الذي ترعاه الولايات المتحدة الأميركية.
مشيراً إلى أن ذلك ظهر جليا في استجابتها لدعوة المصالحة التي أطلقت في قمة الكويت الاقتصادية الأخيرة وزيارة وزير خارجيتها وليد المعلم للرياض والذي أعلن في وقت لاحق أيضا دعم سوريا للجهود المصرية لتحقيق التهدئة بين حماس في غزة وإسرائيل، وكذلك المصالحة بين الفصائل الفلسطينية المختلفة ومشاركة سوريا في مؤتمر إعمار غزة بمنتجع شرم الشيخ المصري، وكلها إشارات إيجابية ورسائل لواشنطن قبل أن تكون لأي جهة أخرى،الأمر الذي تجاوبت معه إيران وبدأت وفود من مجلسي النواب والشيوخ يفدون إلى دمشق ومقابلة كبار المسؤولين السوريين.
تفاعل إيراني
وأضاف الريدي: أن إيران أعلنت كذلك استعدادها للتجاوب مع العودة الأميركية للحوار وأنها على استعداد للتفاوض والتناقش في جميع الأمور بعيدا عن ملفها النووي وهي بادرة جيدة في البداية خاصة وأنه ليس من المنطقي أن تعلن طهران استعدادها للتفاوض حول كل شيء قبل أن يبدأ أي شيء وهو نفس التوجه للإدارة الأميركية الجديدة التي اشترطت فتح صفحة جديدة مع النظام الإيراني بشرط إغلاق الملف النووي وهو ما يعني أن هناك مساحة واسعة للحوار بين الجانبين الأميركي والإيراني.
وحول ما إذا كان التغير في السياسة الأميركية تجاه دول منطقة الشرق الأوسط وخاصة سوريا وإيران هو تغير شكلي وظاهري على اعتبار أن الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات وليست دولة أفراد، قال الريدي:لأنها دولة مؤسسات فتوقع التغيير أكثر.
وخاصة بعد أن سيطر الديمقراطيون على الكونجرس الأميركي وتم تشكيل لجنة لبحث سلبيات الإدارة السابقة لجورج بوش الابن، مشددا على أن تغييرات كثيرة ستلحق بالإدارة الأميركية ولكن هذا لا يعني وجود تحول 180 درجة في السياسة الأميركية خاصة الخارجية فنحن نؤكد أن هناك تغييرات وليس انقلابات دراماتيكية في السياسة الأميركية والتي ستكون محكومة بالطبع بحسابات المصلحة والمكسب والخسارة.
ويقول سفير مصر الأسبق في سوريا السفير محمود شكري:أن العلاقات الأميركية مع دول منطقة الشرق الأوسط وخاصة إيران وسوريا تأخذ منحي جديدا منذ تولي الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما الذي قالها صراحة في كلمته بأن موضوع الشرق الأوسط لابد من أخذه بجدية،بما فيها العلاقات مع كل من سوريا وإيران.
وأضاف شكري (تحليلي السياسي للخطاب الأميركي الجديد أنه منفتح على إقامة علاقات مع إيران وسوريا ولكن بشروط بالنسبة لإيران وقف النشاط النووي، أما بالنسبة لسوريا فأن يكون لها توجه يدفع الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط «،لافتا إلى أن واشنطن لن تترك ورقة سوريا).
رسائل إيجابية لدمشق
وأشار إلى وجود الكثير من الرسائل الإيجابية من بينها زيارة عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ لسوريا كان أبرزها زيارة السيناتور جون كيري،بالإضافة إلى زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم للعاصمة السعودية ولقائه مع كبار المسؤولين السعوديين وهو ما يحمل دلالات كثيرة نظرا للعلاقات الكبيرة بين الرياض وواشنطن باعتبارها ضمن تحالف الاعتدال المدعوم من واشنطن، هذا بالإضافة لإبداء سوريا استعدادها للتجاوب مع المحاكمة الخاصة برئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري،وهي كلها دلالات على أن سوريا مستعدة لفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية.
وعن تأثير التقارب والإشارات المتبادلة بين دمشق وواشنطن على موقف النظام السوري من محاكمة الحريري، أشار شكري إلى أن النظام السوري لديه أمر واحد يمثل خطا أحمر وهو ماهر الأسد، وواصف شوكت صهر الرئيس السوري بشار الأسد وهي الحالة الوحيدة التي لن يكون الأمر فيها مقبولا، معربا عن اعتقاده أن الأمر لن يصل إلى ذلك.
وأضاف: أنه لا يمكن تخيل تورط مثل هذه الشخصيات بشكل مباشر في عملية اغتيال الحريري خاصة وأن المحاكمة ستبدأ نهاية العام وستأخذ وقتا طويلا وهي على عكس محكمة الرئيس السوداني عمر البشير المتهم بإرتكاب جرائم حرب.
وحول مدى تأثير التقارب الأميركي- السوري على مسار المفاوضات السورية- الإسرائيلية، شدد السفير شكري على أن الوضع الآن لا يسمح بالتقارب بين سوريا وإسرائيل في ضوء مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد المتعنتة والتي تقوم بشكل مبدئي على عدم تسليم أي أراض في الجولان إلى سوريا.
ولفت إلى أن ذلك يحتم على سوريا أن تلعب بأوراق كثيرة إقليمية ودولية لتحقيق أهدافها، خاصة وأنه من المتصور أن تكون قمة الدوحة العربية القادمة نهاية شهر مارس الجاري هي قمة تقارب وليس تباعد وأن تلعب على ورقة جمع العرب لاسيما وأن انشقاق الفصائل الذي كانت تلعب عليه سوريا أصبح في حكم التاريخ بعد أن شعرت حماس بخطئها،كما أن اللعب على سياسة المحاور في المرحلة القادمة لن يصلح أو يجدي.
وتابع: أن العام المقبل أيضا سيشهد الانتخابات اللبنانية وحزب الله يستعد لهذه الانتخابات بقوة وهو يسعي للحصول على ثقة وتأييد الأطياف المختلفة للشعب اللبناني،كما أنه غير مستعد للدخول في مواجهه مع إسرائيل كما اتضح خلال المرحلة الماضية ووفقا للنظرة البرجماتية. وهو كاد يدفع سوريا لإعادة تقييم مواقفها وعلاقاتها مع الولايات المتحدة واستخدامها للأوراق المختلفة إقليميا ودوليا. وقالسفي تقييمي أن الوضع الإقليمي بصفة عامة في الاتجاه نحو التغييرس.
أهداف على مسارات متعددة
ومن جانبه، يؤكد أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس الدكتور محمد سعيد عبد المؤمن أن الحوار بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران مستمر ولم يتوقف حتى في الأوقات التي يرتفع فيها نبرة الصوت الإعلامي بين الجانبين، فمن المعروف أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات وتقيم علاقاتها في ضوء دراسات متكاملة ومتأنية من مختلف الجوانب وعلي أساس حسابات المكسب والخسارة من جميع النواحي.
وقال: إن الولايات المتحدة تري أن الاتصال والحديث مع إيران من شأنه تحقيق أهدافها على أكثر من مسار خاصة في أفغانستان والعراق، خاصة وأنه كان للحوار نتيجة فعلية في الفترة الماضية على هذين المسارين، ونجح الحوار في حل الكثير من المشاكل ورغم كون الحوار بين واشنطن وطهران مستمرا، إلا أن الإدارة الأميركية لم تغلق الخيارات الأخرى لعدم ثقتها في جدوى الحوار مع إيران في حسم جميع الخلافات، وأرجع ذلك إلى عدم قدرة الإدارة الأميركية على اختراق النظام الإيراني.
وأضاف:أنه مع الرؤية الجديدة للإدارة الأميركية برئاسة باراك أوباما، اتسعت نسبة الحوار بين واشنطن وإيران، وأصبح خيار الحوار يمثل أفضل السبل للتعامل مع إيران والمشاكل التي تثيرها في المنطقة، مشيرا إلى إرسال إيران لرسائل إيجابية لواشنطن حول رغبتها في التعامل معها وفتح صفحة جديدة، وفي المقابل فإن الولايات المتحدة الأميركية وإدارتها الجديدة لديها الرغبة للإنصات والتحاور معها لحل القضايا العالقة.
وحول تأثير الخلافات الأيديولوجية على التقارب الأميركي -الإيراني، شدد عبد المؤمن على أن ما يحكم العلاقة بين إيران والولايات المتحدة هي علاقة المصلحة نظرا للخلاف الأيدلوجي الكبير بينهما ولذلك فإن الجانبين عملا على تنحية الجانب الأيديولوجي في بعض الحوارات التي تمت من قبل بينهما والاعتماد فقط على حسابات المصلحة،مشيرا إلى أن المصلحة ستكون المحدد التي ستحدد العلاقة بينهما ودرجة التقارب خلال المرحلة القادمة.
وعن مدى تأثير التقارب الأميركي الإيراني في ظل إدارة أوباما على المنطقة،أكد أن المنطقة ستشهد خلال المرحلة القادمة تغيرات كبيرة، معربا عن اعتقاده بأن إيران ستحقق الكثير من المكاسب ولن تكون الخاسر من هذه التغييرات. ولفت إلى أن أي طرف في المنطقة لا يتحرك ولا يسعي لتوضيح دوره وقدراته وإمكاناته، سيكون الخاسر الأكبر في المعادلة الجديدة لأن العالم لا يعترف بالضعفاء ولكنه يحترم من يبدي قوته سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو الإعلامي.
- القاهرة ـ «البيان»