تاريخ العالم، منذ أن صار للعالم تاريخ، حافل بالعنف بكل أشكاله وبكل أدواته. وكانت للعنف، على الدوام، من قبل الذين كانوا يلجأون إلى استخدامه، أسباب يبررون بها لجوءهم إليه. لكن الحروب بين الدول كانت، في بدايات نشأة تلك الدول كمدن وكمقاطعات، ثم كدول حديثة قائمة بذاتها، وكأنظمة حكم وسلطات تحكم باسمها، كانت، أي تلك الحروب، الشكل الأقسى والأقصى لممارسة العنف.
وكان البشر على الدوام هم الأداة الكاملة لتلك الحروب، وكانوا على الدوام الضحية الأساسية لتلك الحروب. وتشير الوقائع إلى أن تلك الحروب كانت في كل المراحل والحقب التاريخية حروباً للسيطرة من قبل الأقوياء على الضعفاء، حتى حين كانت تتخذ شكل صراع بين الأقوياء ذاتهم .
وكان لتلك السيطرة، بصيغها المختلفة، أهدافها السياسية والاقتصادية وكان لها استهدافاتها التوسعية. غير أن أكثر تلك الحروب شراسة، وأكثرها تدميراً، كانت الحروب الدينية. وتكونت مع الزمن إمبراطوريات كبرى كنتيجة لتلك الحروب، بأنواعها المختلفة، وبعضها اتخذ طابع غزوات قامت بها قبائل. كما نتج عن تلك الحروب والغزوات أفول إمبراطوريات ودول.
لكن حروباً أخرى كانت ترافق ذلك النوع من الحروب، هي الحروب التي اتخذت طابع ثورات وطنية تحررية وثورات اجتماعية. ولم تكن تلك الثورات من طبيعة واحدة ومن نوع واحد ومحدد. بل اتخذت أشكالاً ومضامين وأهدافاً متعددة. بعضها كان يجري تحت شعارات سياسية تتمحور حول الحرية والاستقلال.
في حين أن بعضها الآخر كان يجري تحت شعارات اجتماعية تتمحور حول تحرير المقهورين والمستغلين اجتماعيا، تحريرهم من الاضطهاد والاستغلال اللذين كانا يمارسان عليهم من قبل سلطات حكم ظالمة. وكانت الحروب الأهلية هي الأقرب إلى هذا النوع من الحروب، التي تحمل صفة وسمة وطبيعة الثورات، قديمها وحديثها.
لست، هنا، في معرض البحث في مسار حركة التاريخ. فذلك هو شأن ومهمة المؤرخين، الذين كثيراً ما يختلفون في قراءتهم للأحداث، وكثيراً ما يختلفون في استنتاجاتهم حولها. ما أريد الإشارة إليه باختصار هو أن تاريخ البشرية ما زال، منذ قديم الزمان حتى يومنا هذا، تاريخ حروب وصراعات من كل الأنواع.
أي تاريخ عنف يتم فيه التدمير المتواصل لمنتجات الحضارة المادي منها والروحي، والتدمير المتواصل للبشر الذين يتحولون، في كل تلك الحروب والصراعات، إلى مواد مشتعلة، إلى أدوات حرب، إلى قنابل متفجرة، أي، باختصار، إلى أشياء لا صلة لها بحياة البشر، بل هي حالات شكلت على الدوام تناقضاً فظاً وقاطعاً مع مبدأ الحياة الذي هو جوهر الوجود الإنساني على الأرض وأصله.
وإذ أتوقف اليوم عند هذه الظاهرة التاريخية المتواصلة ثباتاً واتساعاً، والمتواصلة تدميراً لمنجزات الحضارة وللحياة الإنسانية، فلأنني أريد أن أفتح سجالاً حول معنى هذا العنف، وحول التفكير في كيفية وإمكانية تحرير البشرية من آفاته، من دون أن يعني ذلك، في فهمي له وتحديدي لاستهدافاته، التعارض مع ما يرتبط ب«العنف الثوري» من أهداف نبيلة من حيث المبدأ.
وهذه الأهداف هي التي تتخذها برنامجاً لها الحركات الثورية، السياسية منها والاجتماعية. لكن لهذا النوع من العنف، إذا كان لا بد منه، شروطاً لا بد من توفرها لكي يكون متطابقاً مع تلك الأهداف النبيلة، في الشكل وفي المضمون وفي النتائج التي تتولد عنه.
ضد العنف كوسيلة للنضال وضد الإرهاب كشكل للعنف
لننظر إلى ما يجري في بلداننا، بلداً بلداً. لننظر كيف يمارس النضال لتحرير الأرض من الاحتلال الأجنبي، في العراق وفلسطين. سيتبين لنا، من دون جهد، كم هو كارثي بكل المعاني المشهد في كلا البلدين، مع ما بين الحالتين من اختلاف جوهري. سيتبين ذلك من خلال النتائج التي ترتبت ولا تزال تترتب على هذا العمل في البلدين.
وإذ أتوقف عند المشهد الفلسطيني تحديداً، فلأن ثمة فارقاً كبيراً وجوهرياً بين ما يجري في العراق، وبين ما يجري في فلسطين. في فلسطين توجد مقاومة وطنية لها تاريخ طويل، ولها أهداف محددة، وتتصل بنضال وطني من أجل قضية مشروعة.
أما في العراق فيوجد إرهاب. والفرق جوهري بين عنف المقاومة الوطنية وعنف الإرهاب. لكن العنف، في نهاية المطاف، هو عنف. ولا بد من تحديد الموقف منه من خلال معرفة النتائج التي تترتب عليه، عندما يصبح وسيلة وحيدة للنضال، كما هو سائد في فلسطين.
المشهد الذي يبرز أمامنا، منذ عدة أعوام، وبرز مؤخراً في غزة على وجه الخصوص، هو مشهد مثير للحزن وللأسى بالنسبة إلى معاناة الشعب الفلسطيني، ومثير للغضب في اتجاهين محددين: في الاتجاه الإسرائيلي أساساً، حيث كانت القوات الإسرائيلية تمارس أبشع وأفظع الجرائم ضد الإنسانية، وفي اتجاه القوى العالمية التي ساوت، بنسب متفاوتة، بين الجلاد والضحية.
لكننا لا نستطيع ونحن نعلن غضبنا في هذين الاتجاهين إلا أن نتوقف عند الطريقة التي تعامل ويتعامل فيها أصحاب القضية المشروعة مع قضيتهم، سواء في شكل النضال، أم في ممارستهم السياسية دفاعاً عن قضيتهم. والمؤسف والمؤلم والمحزن في آن هو أن قادة حماس لم يحسبوا، لا في المقاومة ولا في السياسة، أي حساب حقيقي لشعبهم، وللثمن الباهظ الذي دفعه ولا يزال يدفعه، بسبب سياستهم في مواجهة وحشية العدوان الإسرائيلي.
نسبية الشعارات
كلا، ليس صحيحاً أن الشعار الصحيح هو صحيح في كل الشروط. الشعار الصحيح يحتاج دائماً إلى معرفة مدى توفر الشروط لجعله صالحاً كشعار يستوجب النضال من أجل تحقيقه. وليس صحيحاً، بالمقابل، أن شكل النضال هو واحد في كل الظروف، وأن شكله وأدواته يتحددان بالعنف، وبالعنف وحده، أياً كان الثمن الذي سيدفعه الشعب، وستدفعه القضية وستدفعه الأهداف النبيلة المتصلة بها.
إن الهدف من كل نضال سياسي واجتماعي هو الوصول إلى تحقيق شروط أفضل لحياة البشر. لأن الحياة هي الأصل، وهي الجوهر، وهي الهدف الأساسي المبتغى من النضال الذي يرمي أصحابه بصدق وأمانة من ورائه إحداث تغيير في هذا الاتجاه بالتحديد: تحقيق الحرية والعدالة والمساواة والشروط الأفضل والأرقى لحياة البشر.
أعرف أن كلامي هذا قد لا يرضي أولئك الذين اعتادوا أن يمارسوا النضال، باسم أفكارهم وعقائدهم، وباسم الحركات التي ينتمون إليها. قد لا يرضي كلامي رفاقي الشيوعيين الذين كنت معهم في زمن سابق أنادي بالعنف الثوري ضد عنف خصومنا الطبقيين، وكنت أمارس معهم حقنا المشروع في النضال بالسلاح ضد العدو الإسرائيلي الذي كان يحتل أرضنا.
أعرف أن كلامي هذا قد لا يرضي «الثوريين الجدد» ممن يحملون شعارات لا صلة لها بالوقائع وبالإمكانات، ولا يحسبون في ممارستهم للنضال من أجل حق مشروع ومن أجل قضية عادلة، أي حساب للثمن الذي يفرضون على شعوبهم أن يدفعوه، من دون أن يستشيروها.
ويهمني أن أقول لرفاقي القدامى والجدد، وللقادمين إلى الثورة بعقائد وبشعارات قديمة ومستحدثة، أن التاريخ ليس نسخة واحدة، وأن تطور الأحداث يحدث معه تغييرات في الأفكار وفي المواقف وفي وسائل النضال. الوقائع تتغير، والبشر يتغيرون، والأفكار وأساليب النضال تتغير. هذا أمر لا جدال فيه. ومن يبقى أسير أحداث التاريخ القديمة، وأسير شروطها، سيجد نفسه، عاجلاً أم آجلاً، خارج حركة التاريخ.
ولقد يكون من المفيد هنا أن أنقل للقراء مقتطفات مما ورد في كتابي الذي صدر مؤخراً بعنوان «في البحث عن المستقبل». وهو حوار فكري وسياسي أجبت فيه عن أسئلة متشعبة تتناول بالنقد تجاربنا الماضية، وتقدم أفكاراً جديدة حول صيغ تعاملنا مع قضايانا في الحقبة الراهنة من تاريخنا وتاريخ العالم.
مقولة العنف محرك التاريخ
أقول في الجواب عن سؤال طرحته عليّ محاورتي الباحثة المغربية مريم سيدي حيدة حول موقفي المعترض على العنف:
«العنف محرك التاريخ. هذا ما تريدين الإشارة إليه. وهذا هو المسار العام لحركة التاريخ حتى الآن، وربما لزمن طويل قادم. لكن من حقي أن أتساءل بصدق، وربما بسذاجة: إذا كان الأمر كذلك على مدى التاريخ السابق، فهل ينبغي أن نظل أسرى هذا المسار كما لو أنه قدر لا قبل لنا على رده؟
أعرف، بالطبع، أن بعض قدماء الحركة الشيوعية ما زالوا يرددون أن العنف الثوري هو الرد الضروري على عنف البرجوازية. ويقولون، وأقول معهم، بأن استخدام العنف هو حق مشروع للمقاومين في مواجهة أي عدوان على بلدهم، وحقهم المشروع في النضال لتحرير أرضهم من احتلال أجنبي. فهذا صحيح، من حيث المبدأ. وقد مارسه شعبنا. ومارسته القوى السياسية في لبنان على اختلاف اتجاهاتها، كل منها على طريقتها. ومارسه حزبنا الشيوعي اللبناني بامتياز.
لكن بعض أصحابنا ممن لا يزالون يرفعون شعار «العنف الثوري» يقولون بأن العنف هو أيضاً حق مشروع لأصحاب الأفكار والسياسات، ولأصحاب المشاريع الاعتراضية، لا سيما اليسارية منها، في نضالهم من أجل التغيير. أي أن لهم الحق في أن يردوا، بالوسائل العنفية ذاتها، على الوسائل العنفية التي يستخدمها ضدهم خصومهم، سواء كان هؤلاء الخصوم في السلطة في بلدانهم أم كانوا خصوما من نوع آخر.
وأعترف أنني كنت في ماضي حياتي السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني، في قواعده ثم في قيادته، من أنصار «العنف الثوري». وكتبت الكثير في الدعوة لتبني هذا العنف من قبل حركتنا الشيوعية في الرد على العنف الذي يستخدم ضدنا من قبل خصومنا البرجوازيين. كنت من أنصار هذا العنف، ثم صرت ضده. وكانت لي مبرراتي في تبنيه، ثم صارت لي مبرراتي اليوم في الاعتراض عليه.
ومبرراتي التي كررتها كثيراً لرفض العنف تعود، في أساسها، إلى أن تجاربنا وتجارب سوانا من الشعوب التي اعتمدت فيها الحركات الثورية العنف سبيلاً إلى تحقيق أهدافها قد دلت، حتى عندما حققت انتصارها على خصومها، على أن هذا العنف قد أدى إلى نتائج كارثية أصابت في الصميم الهدف الذي من أجله تم استخدام العنف لتحقيقه.
والأمثلة على ما أقول كثيرة لا تحصى في عالمنا العربي وفي العالم، قديماً وحديثاً. البديل من العنف، في نظري، هو النضال الطويل المدى، المقترن بالعمل السياسي الطويل النفس لكسب الجماهير المعنية بالنضال لتحقيق الهدف المبتغى منه.
فمثل هذا النضال، الذي ينبغي أن تحترم فيه المراحل، وأن تحترم الشروط الموضوعية والذاتية فيها، سيكون، بالتأكيد، أقل كلفة من النضال بالعنف، الذي عادة ما يطول، ويكون باهظ الكلفة والثمن، على الصعيدين المادي والروحي والبشري. وإذا كنت أعتبر، بحق، أن مقاومة الاحتلال الأجنبي هي واجب وطني، بالنسبة إلى كل شعب تتعرض بلاده لمثل هذا الاحتلال، إلا أنني أعتبر أن لهذه المقاومة، أيضاً، شروطها.
فليس صحيحاً أن للمقاومة شكلاً واحداً لممارستها، وأداة واحدة، وسلاحاً واحداً. وليس صحيحاً أنها ، في أشكالها، لا تتغير ولا تتبدل، بمعزل عن النتائج التي يمكن أن تقود إليها تلك المقاومة. فما يصح على النضال السياسي، في مواجهة مهمات التغيير، يصح أيضاً على المقاومة لمواجهة عدوان خارجي، أو لتحرير أرض يحتلها أجنبي.
إذ أن المقاومة، مثل أي نضال، إنما تخضع بالضرورة للوقائع ولشروط المرحلة ولأمور عديدة أخرى. وهي تقضي، بالضرورة، تجنب المغامرة. وأعني بالمغامرة خوض المعارك من دون الحساب الدقيق لميزان القوى فيها، وللكلفة المحتملة. إن وظيفة هذا التدقيق إنما ترمي إلى القول بأن كل عمل، سياسي وعسكري واقتصادي، وحتى ثقافي، إنما يحمل، في كل الظروف، قسطاً من المغامرة، رغم كل الحسابات التي يقوم بها الذين يخوضون مثل هذه المعارك.
لذلك لا بد من الحساب الدقيق لكل عمل، أياً كان نوعه، قبل البدء به، للحد من الخسائر المحتملة، مقابل الهدف المبتغى تحقيقه. والمقصود بالحساب الدقيق هو تجنب اللجوء إلى العنف، أي إلى السلاح، إلا عندما تتوفر الشروط لذلك، حتى لا يكون هذا الاستخدام للسلاح في المقاومة سبباً في تعظيم الخسائر لدى أصحاب القضية، بدلاً من أن يكون الهدف من استخدام السلاح تعظيم الخسائر في صفوف قوى الاحتلال.
وهذا يعني أن للمقاومة أشكالاً متعددة. والسلاح هو شكل من أشكالها، وليس الشكل الحصري. المطلوب، إذن، استخدام العقل والواقعية، واحترام الإنسان والتقليل من الخسائر البشرية والمادية، والأخذ في الإعتبار كل ما يتصل بالمصالح العامة للبلد، والتقيد، في كل الأحوال، بالهدف الحقيقي الذي من أجله يستخدم هذا العنف، لدى تكوّن الشعور الوطني العام بضروة اللجوء إليه، ولدى توفر الشروط لممارسته في أفضل وأسلم وأصح شكل.
وفي هذا الإطار أجد أن عليَّ التأكيد بأن العمليات الانتحارية هي، بالمطلق، حتى ولو كانت موجهة ضد العدو الذي يعتدي على البلد، والعدو الذي يحتل الأرض، اعتداء على حقوق الإنسان الأساسية، وأن استهداف المدنيين في هذه العمليات وفي سواها هو أيضاً عمل يتم في الاتجاه النقيض للهدف الوطني والإنساني الذي يتمثل في النضال لاستعادة حقوق اعتدى أجنبي عليها.
ما بين المقاومة والإرهاب
أما في جوابي عن سؤال محاورتي حول العنف بصفته إرهاباً فقد قلت: «لا أستطيع، وليس من حقي، ألا أرى الفرق بين من يحمل السلاح لمقاومة عدوان خارجي على أرضه، أو لتحرير أرض احتلتها قوى أجنبية، وبين من يحمل هذا السلاح لقتل المدنيين في كل مكان، في صورة وحشية، مثلما يحصل الآن في العراق، ومثلما حصل في الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك، ومثلما حصل ويحصل في عدد من البلدان العربية والإسلامية والأوروبية.
فإذا كان النوع الأول مشروعاً، من حيث المبدأ، فإن النوع الثاني هو إرهاب بكل المعاني. ولا يقلل من توصيف هذا النوع من العنف بالإرهاب الوحشي ما يعلن من قبل القائمين به أنه موجه ضد الظلم الذي تمارسه الدول الكبرى في عدوانها على الدول والشعوب الصغيرة، أو ضد الرأسمال العالمي الذي يريد أن يهيمن على العالم بقوة الإستغلال والقهر والعدوان.
هذا النوع من العنف هو، في نظري، إرهاب. وهو يستحق منا جميعنا أن نناضل ضده بكل الوسائل المتاحة. وهو ما يتمثل فيما يجري من أعمال وحشية في العراق، وما يجري في بعض البلدان العربية والأجنبية من أعمال شبيهة بتلك التي تجري في العراق، سواء كان الفاعل من أنصار القاعدة، أم كان ينتمي إلى حركات سلفية تكفيرية هوجاء، ذات أسماء مختلفة....
في ضوء هذا التعريف العام للإرهاب، إذا صحّ أنه تعريف، يمكنني الانتقال إلى تقديم بعض الأسباب التي يمكن أن تكون في أساس نشوء هذا الإرهاب في العصر الحديث، في بلداننا على وجه التحديد. وهو الإرهاب الذي يتم باسم السلفية الرجعية التي تستخدم الإسلام، ضد قيمه، وفي شكل تعسفي، لتبرير أعمالها الإرهابية.
بعض هذه الأسباب، على سبيل المثال، يعود إلى حالة التخلف التي تعيش فيها بلداننا، والتي تسببت وتتسبب بها أنظمة الاستبداد التي تتحكم ببلداننا منذ زمن طويل. وهي أنظمة استندت، في إحكام سيطرتها على المجتمع، على تعميم الجهل، وعلى الإستعانة بالطقوس والخرافات والبدع المتصلة بالدين ضد قيمه. وتعود بعض الأسباب الأخرى إلى الدور الذي تمارسه الدول الكبرى، أميركا على وجه التحديد، في عدوانها المتعدد الأشكال على بلداننا وشعوبها.
إن هذه التحديدات التي أسوقها لبعض أسباب نشوء وتفاقم ظاهرة الإرهاب، تجعلني أستنتج، من دون تعسف، أن ثمة إرهاباً يتجاوز تلك القوى التي صنفناها حركات إرهابية، هو إرهاب الدولة. والمثال الصارخ على إرهاب الدولة هو، أولاً، الولايات المتحدة الأميركية، وهو، ثانياً، دولة إسرائيل، وهو، ثالثاً، أنظمة الاستبداد التي تتحكم ببلداننا وبمصائرها».
تعظيم القوى السياسية
خلاصة ما أريد أن أقوله في ضوء ما أشرت إليه من معطيات وفي ضوء ما دلت عليه تجاربنا وتجارب سوانا من شعوب العالم، هو أن العنف ينبغي أن يتوقف أولاً من قبل أصحاب الحقوق المشروعة في نضالهم من أجل انتصار هذه الحقوق. وإذ أؤكد على البدء، من قبل أصحاب الحقوق المشروعة في إيقاف العنف، فليس للتقليل من ضرورة استمرار النضال وفق الشروط التي تفرض في كل حالة من الحالات الشكل الضروري للنضال.
فالمهم في كل الأحوال هو العمل على صعيد كل بلد لتعظيم حجم ووزن القوى السياسية والاجتماعية المعنية بمواجهة قوى الظلم والعدوان، والعمل في الوقت عينه، لتعظيم حجم ووزن القوى المعنية بمواجهة قوى الظلم والعدوان والحروب على الصعيد العالمي.
وعلينا أن نأخذ في الاعتبار، في هذا السياق، أن شروطاً غير مسبوقة قد بدأت تتوفر لكبح جماح تلك القوى التي تعتبر أن الدفاع عن مصالحها يقضي بتأجيج الحروب والحروب الأهلية. وهو ما تشير إليه حركات الاحتجاج الكبرى التي شهدها العالم في الأعوام الأخيرة ضد الحروب والعدوان، بما في ذلك تلك الاحتجاجات التي جرت في العالم ضد العدوان الإسرائيلي على غزة.
إننا بحاجة إلى خلق حركة عالمية من نوع جديد تناضل من أجل السلم، ومن أجل حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن أجل احترام حقوق الإنسان. وتشكل الأمم المتحدة الإطار العام لهذه الحركة، مضافة إليها الحركة التي تتسع تحت شعار عولمة إنسانية بديلة من العولمة الرأسمالية المتوحشة.