رفعت الولايات المتحدة الأميركية خلال العقدين الماضيين شعارات الحرية والديمقراطية في توجهها نحو شعوب الدول التي تسعى لبسط نفوذها وهيمنتها عليها واستخدامها لتحقيق مصالحها وأهدافها الإستراتيجية، واستغلت في ذلك معاناة شعوب هذه الدول من أشكال القمع والاستبداد والفساد من أنظمة الحكم فيها، وتجاوبت هذه الشعوب بفاعلية وحماس مع قادة الثورات والانقلابات والمعارضين في الداخل الرافعين لهذه الشعارات والمدعومين والمؤيدين من واشنطن على أمل أنهم سيأتون إليهم بالحرية والديمقراطية التي يحلمون بها.
هذا ما حدث في العراق وأفغانستان، وما حدث بصورة واضحة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق التي اندلعت فيها الثورات الملونة خلال فترة حكم الرئيس بوش الابن، ومنها الثورة الوردية في جورجيا عام 2003، والثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004.
حيث ظلت الشعوب تنتظر تحقيق الوعود بالديمقراطية والحرية عاماً بعد الآخر، لكن شيئا لم يتحقق، بل زادت أساليب القمع ومصادرة الحريات في جورجيا، وزاد الفقر والجوع والصراع على السلطة وتزوير الانتخابات في أوكرانيا، هذا بينما تعلن واشنطن مرارا وتكرارا عن انتصار الحرية والديمقراطية في هذين البلدين.
ويزور الرئيس بوش جورجيا في عام 2006 ليعلن هناك أنه فخور بالنجاح الكبير الذي حققته الثورة الديمقراطية وبعودة الحرية للشعب الجورجي، ويعد بأن جورجيا ستكون النموذج والقدوة لشعوب الشرق الأوسط التي تحلم بالحرية، وبالضبط كما حدث في العراق وأفغانستان لم يفهم الشعب الجورجي عن أي حرية وديمقراطية يتحدث بوش، بينما لم ير الشعب سوى المزيد من الجوع والفقر والأزمات، وهو ما تعيشه أوكرانيا أيضا الآن.
و كعادتها المعروفة عنها طيلة تاريخها لم تقدم واشنطن لشعوب هذه الدول أي شيء من المساعدات أو مشاريع التنمية والتعمير، بل توجهت كعادتها للأنظمة التي وضعتها في السلطة تمولها بملايين الدولارات التي كان يتم تقسيمها على أفراد النظام الحاكم ولا يصل للشعب منها شيء، وهذه سياسة ذكية ومتعمدة من واشنطن في تعاملها مع دول وشعوب العالم الثالث كله.
فهي لا تساعد الشعوب في شيء، ولم نسمع عن مشاريع بناء أو استثمار أو خدمات أو تنمية قدمتها الولايات المتحدة لأي دولة من هذه الدول التي تحكمها أنظمة موالية وخاضعة لواشنطن، والهدف من ذلك أن واشنطن تشتري الأنظمة بالمال حتى تخضع لها تماما، وتنفذ جميع طلباتها حتى لو كانت ضد مصالح شعوبها.
فإذا ترددت هذه الأنظمة في تنفيذ الطلبات الأميركية أو فكرت في التمرد عليها تحت ضغط شعوبها تسعى واشنطن لتغييرها بدعم الجهات المعارضة لها بحجة أنها فشلت في الإصلاح والتنمية ولم تلب طلبات شعوبها، ولهذا لا تقدم واشنطن أي مشاريع تنمية أو بناء في هذه الدول احتياطا لاحتمال تغيير الأنظمة، فقط تقدم شعارات مثل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع الشعوب.