بتعيينه دانيس روس، مبعوثاً خاصاً لمنطقة الخليج؛ صار من الواضح أن الرئيس أوباما وضع سلّة الملفات الخارجية، وبالتحديد الشرق أوسطية؛ في عهدة فريق من المبعوثين الخاصين. كما بات من الواضح أنه اختار التفرغ لملف الأزمة المالية ـ الاقتصادية الطاحنة. تكليف دبلوماسي مخضرم بقضية معينة، تقليد معروف في واشنطن. الجديد هذه المرة أن هذا الخيار تحوّل إلى شبه مؤسسة.
ثلاثة مبعوثين تمّ اختيارهم، حتى الآن، في غضون شهر ونيّف. والحبل على الجرار. ثم ان هذا الجديد حصل مع دخول الرئيس إلى البيت الأبيض؛ وليس بعد مرور مدة تعذر معها معالجة هذا الملف أو ذاك. مثل هذه الاستعانة من البداية، بخبراء من هذا العيار؛ تشير إلى أنه ليس في جعبة الإدارة أكثر من مشروع لإدارة الأزمات؛ تطلّب خبرات ومهارات تقنية وتوزيع المهام بين عدد من المبعوثين. توجّه لا يبشر بالخير، بالنسبة ل«عملية السلام».
مع خطابه الأول عن «حالة البلاد»، مساء الثلاثاء؛ ومع الخطوات التي اتخذها خلال نيّف وشهر بعد تسلّمه الرئاسة، انجلت خريطة أولويات رئاسة أوباما. أو بالأحرى ما يمكن توقعه منها. سواء على صعيد الأزمات الداخلية أو في الخارجية. ما لا جدال فيه أن الأولى، طاغية على اهتمامه. لشدّة وطأتها، صارت رئاسته مرهونة بمصيرها.
في كلمته هذه، التي يغتنمها الرؤساء الأميركيون عادة لتقديم لمحة شاملة عن سياساتهم وبرامجهم الداخلية والخارجية والتي استغرقت أكثر من خمسين دقيقة؛ لم تكن حصة السياسة الخارجية أكثر من إشارة عابرة، لا جديد فيها، عن العراق وأفغانستان والتسوية السلمية. كل الإجراءات التي اتخذها حتى الآن، عبر الكونغرس، من تعويم وضخ سيولة ودعم لفك الرهونات العقارية.
فضلاً عن الخفض الضريبي؛ لا تضمن تحقيق المطلوب. قد يحتاج إلى المزيد منها. خصومه الجمهوريون بدأوا بحملات التشويش عليه. أبواقهم الإعلامية تشيّع عنه أنه «اشتراكي» و«ماركسي»، ينوي تأميم البنوك؛ كخطوة أولى لتغيير النظام الرأسمالي!.. في ذات الوقت لم تخرج الأزمة بعد من نفق التدهور.
مصارف كبرى، تستغيث من على حافة الانهيار. ومثلها شركات السيارات والتأمين؛ فضلاً عن تفاقم البطالة والعجز في الموازنة. وقد يضطر إلى تقديم المزيد من الدعم المالي وما يرافقه من تزايد ما يشبه حالة التأميم؛ لا يتقبله الأميركيون. في خطابه، حاول توظيف ما يملك من كاريزما، لإشاعة أجواء التفاؤل. يساعده في ذلك أنه ما زال ينعم برصيد صلب.
حسب آخر استطلاع، 68 من الأميركيين إلى جانبه. 60% مع إجراءاته الاقتصادية. أقوى من رصيد رجال الكونغرس، الذي لا يتعدّى معدّل 50%. وأكثر قوة من رصيد الجمهوريين، الذي لا يتجاوز 38%. مع كل ذلك يقرّ الرئيس بأن الأزمة عاتية ومفتوحة؛ وأنه لا يحمل الحل السحري لها. كل ما بوسعه، إدارتها وبما يكفل لجمها ووقف تدهورها؛ في المدى القريب.
الرئيس أوباما قرّر الانهماك بالأزمة الداخلية. اكتفى «بتلزيم» الملفات الخارجية الساخنة لفريق المبعوثين. أحد أهمها، الفلسطيني، لا يحتمل هذه الصيغة. سوابق التجربة، تفيد أنه من دون تدخل مباشر، متواصل وضاغط، للرئيس الأميركي في ملف « «الدولتين».
فإن المفاوضات لن تخرج من دوامة التخدير والتخريب الإسرائيلي. هذا كان في السابق. فكيف في عهد نتانياهو القادم؟ الكرة في الملعبين العربي والفلسطيني، لتغيير قواعد اللعبة. وإلاّ بقيت بضاعة أوباما من نفس النسيج. الفارق فقط بالحياكة.