الثامن والعشرون من فبراير عام 1955، كان يوماً فاصلاً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. أطلقت فيه إسرائيل أولى حملاتها العسكرية على قطاع غزة الذي كان يخضع في ذلك الحين للإدارة المصرية. كان قد مر على قيام الدولة العبرية حوالي سبع سنوات، والفترة منذ قيامها في 15 مايو 48 حتى تاريخ الثامن والعشرين من فبراير 55، لم تكن فترة هدوء عسكري بين الدولة العدوانية الناشئة والعرب المجاورين لفلسطين.
كانت هناك استفزازات إسرائيلية مستمرة تستهدف خلق أجواء من التوتر في ظل عدم وجود رادع عسكري عربي، وكانت عين الكيان الإسرائيلي دوما على مصر بعد قيام ثورتها في يوليو 52. وكان قد خطط لتوتير العلاقات بين القاهرة وكل من بريطانيا والولايات المتحدة.
ومن ضمن هذه المخططات الفاشلة، ما عرفت بعملية سوزانا وهي عملية سرية إسرائيلية استهدفت تفجير أهداف مصرية وأميركية وبريطانية في مصر في صيف عام 1954، ولكن العملية اكتشفتها السلطات المصرية وسميت باسم فضيحة لافون، نسبة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بنحاس لافون الذي أشرف بنفسه على التخطيط للعملية.
بالنسبة لجريمة الاعتداء على غزة، فقد شجع على تنفيذها موشي دايان الذي كان وقتها رئيسا لأركان الجيش، إذ كان يسعى منذ توليه هذا المنصب عام 1953 إلى خلق أخطاء تغذي الصراع عسكريا، متبنيا في ذلك نظرية التحرش ثم الرد تحت ذريعة الانتقام، وساعده على ذلك أستاذه رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون الذي كان وقت تنفيذ الغارة وزيرا للدفاع إلى جانب رئاسته للحكومة وهما المنصبان اللذان بدأ بهما حكم إسرائيل.
بدأت الغارة على غزة في الساعة الثامنة والنصف من مساء 28 فبراير 1955، إذ اجتازت قوة مظلات إسرائيلية بقيادة سفاح كل العصور أريل شارون خط الهدنة إلى داخل القطاع في عملية سميت بالسهم الأسود. قامت مجموعة من تلك القوة بنسف محطة المياه ونسفها، وأخرى أغارت على مسكن مدير محطة سكة حديد غزة، وهوجم معسكر القوات المصرية القريب من المحطة.
وطلب قائد المعسكر المساعدة من أقرب موقع عسكري مصري وبالفعل فأسرعت الشاحنات الناقلة للجنود لتلبية النداء، وهذا ما أرادته إسرائيل على ما يبدو، إذ وقعت القوة القادمة في الكمين الذي أعده الإسرائيليون في الطريق وسقط 39 قتيلاً و33 جريحاً. واعتبر الإسرائيليون أن ما قاموا به هو عمل بطولي. وزعموا أن سبب الهجوم على غزة هو الثأر لمقتل احد الإسرائيليين في (ديران- رخوبوت).
ويقول السفاح شارون، كان قائد هذه العملية في مذكراته التي نشرت قبل 15 عاما، أن «الهجوم على مقر القيادة العامة للجيش المصري في قطاع غز كان أهم العمليات التي قام بها المظليون، فعلى الرغم من قيامنا بعدة عمليات ضد المواقع المصرية والأردنية ظل فدائيو قطاع غزة يواصلون زرع الموت والخراب، ومن أجل ذلك قررت الحكومة الضرب.
وفي ليلة الهجوم وضعت اللمسات الأخيرة على مخططي، وصبيحة اليوم التالي استدعيت الضباط إلى غرفتي الخاصة، وبسطت على الحائط الرسوم البيانية، وشرحت أطوار العملية، وكيفية خداع مراقبي الأمم المتحدة، ثم أصدرت الأوامر، وخرجت لمتابعة الاستعدادات الأخيرة. وبعد انتهاء العملية، عدنا من حيث أتينا، نحمل ثمانية قتلى و14 جريحاً. وكان موشى دايان ينتظرنا، وسأل بلهجة جافة: كيف جرت الأمور؟ أجبته: أنجزنا مهمتنا، ولكن بخسائر فادحة. رد بلا مبالاة: الأحياء أحياء، والأموات أموات».
لم يكن أحد يتوقع أن تؤدي هذه العملية العسكرية المحدودة إلى تحول كبير في الأحداث السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. في البداية كان لابد من دعوة مجلس الأمن إلى أن يتخذ موقفا ايجابيا، وبالفعل، صدر قرار المجلس رقم 106 بتاريخ 29 مارس 1955، بإدانة الهجوم الإسرائيلي.
تحركت مصر فور العدوان، وأعلن الزعيم الخالد جمال عبد الناصر أمام طلبة الكلية الحربية، أن الهجوم الإسرائيلي على غزة سوف تكون نقطة تحول في تاريخ المنطقة. وبالفعل كان هذا التحول هو إبرام صفقة الأسلحة السوفييتية الشهيرة في 27 سبتمبر 1955 والتي وصفت بكسر احتكار السلاح، وهى الصفقة التي غيرت ملامح الشرق الأوسط ودول العالم الثالث حيث اتجهت كافة الدول وحركات التحرر بعدها للتسلح من الكتلة الشرقية التي قادها الاتحاد السوفييتي.
وقدرت قيمة الصفقة في ذلك الوقت بـ 200 مليون دولار وكلها أسلحه سوفييتية تم بيعها تحت اسم تشيكوسلوفاكيا لعدم إثارة ردود فعل دوليه عنيفة في ذلك الوقت حيث كانت مصر تنتظر تمويلا دوليا لبناء السد العالي من الأمم المتحدة والغرب وسدد ثمنها بمنتجات مصرية زراعيه ونسيجيه وأقطان.
ويقال ان جزءا من تلك الأسلحة استخدمته مصر خلال مواجهتها للعدوان الثلاثي عليها في نهاية أكتوبر 1956. وهو العدوان الذي استهدف القضاء على ثورة 52 والرد على قيام مصر بتأميم قناة السويس لتمويل بناء السد العالي بعد أن سحب البنك الدولي والولايات المتحدة عرض تمويله بسبب صفقة الأسلحة التشيكية.