في كتاب «حرب النهر» رؤية تاريخية لسياسة بريطانيا تجاه السودان ومصر اللذين يربطهما النهر الخالد، يقدمها الكاتب ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، وكتبها بينما كان ضابطا شابا بحملة الجنرال كتشنر لاحتلال «أم درمان» عام 1899 .

فيما وصفه «إعادة غزو» السودان، وفي ترجمة الكتاب العربية للسوداني عز الدين محمود عن دار الشروق بالقاهرة بعنوان «تاريخ الثورة المهدية والاحتلال البريطاني للسودان» يصف تشرشل أهل السودان بـ «أعداء الله» ويزخر بالروح العنصرية، ويصرح أن الحركة المهدية كانت السبب المباشر لحرب بريطانيا على السودان، وكأنه يؤكد أنها كانت حربا صليبية!

وفي مقدمة الكتاب يقول السير جون كولفيل مساعد السكرتير الخاص لتشرشل ان «الروح الاستعمارية لدى تشرشل والتي كانت تشمل مشاعر أبناء ذلك الجيل من بني وطنه في عهد الإمبراطورية تظهر بوضوح في هذا الكتاب، مشيرا إلى أنه في تلك الفترة وتحديدا عام 1899 حين كتب «الضابط الصغير» تشرشل هذا الكتاب لم يكن يساور بريطانيا أو فرنسا أو بلجيكا أو ايطاليا أو البرتغال أدنى أسف أو تردد في تقسيم إفريقيا!

غير أن تشرشل يعترف انه في عام 1883 تجمع أكثر من 40 ألف مقاتل تحت علم المهدي الذي رفض الاستسلام للجنرال هيكس ودارت معارك دمر فيها جيش الغزاة وقتل كل الضباط الأوروبيين بمن فيهم القائد هيكس. كان مقاتلا اكتسب احترام أعدائه الشرسين. ويضيف أنه بعد هزيمة الجيش الغازي عام 1883 ومصرع قائده هيكس تمت الاستعانة بالجنرال جوردون الذي وجد نفسه بعد وصوله إلى الخرطوم عام 1884 محاطا بحركة وطنية جبارة ومد ثوري ضد كل ما هو أجنبي. «المصدر: الفضائية السودانية ودار الشروق ـ بتصرف»

قبل الاحتلال وبعد الاستقلال

مضت سنوات بعد محاولة الإنجليز الأولى الفاشلة احتلال السودان عندما هزمت ثورة المهدي جيشها وقتلت قائدهم الجنرال جوردون في العام 1883، وفي الغزوة الثانية لإعادة احتلال السودان كانت في العام 1899، وعلى مدى العقود الستة الثالثة بعد الاحتلال سعى المستعمر البريطاني بسياسة «فرق تسد» إلى تحقيق هدف فصل مصر في الشمال عن السودان في الجنوب.

وفصل شمال السودان عن جنوب السودان وعلى مدى العقود الخمس الماضية منذ استقلال السودان عن مصر في العام 1956 نشطت مؤامرات الاستعمار، الذي أجبر على الرحيل من مصر والسودان، عبر مشاكل الحدود وإثارة الشكوك وعدم الثقة، بنفس سياسة التفرقة والتقسيم لتعميق هذا الانقسام بين شمال وادي النيل وجنوبه، وبين شمال السودان وجنوبه الذي تحول إلى حرب أهلية استمرت عشرين عاما بتغذية غربية حتى اتفاقية «نيفاشا» للسلام.

وعلى الأرض السودانية العديد من المشاهد الدامية ترجمة لهذه المؤامرات على مدى نصف القرن الأخير منذ استقلاله وحتى اليوم، من جنوبه إلى شماله ومن غربه إلى شرقه، تشير كلها إلى استمرار مسلسلات التمرد الساعية إلى الانفصال، عبر سلسلة من الحروب الأهلية المدعومة غربيا من خلال أطراف إقليمية، التي ما إن تطفأ نيران واحدة في الجنوب بمعاهدة في «نيفاشا» سرعان ما تندلع في الغرب، وما ان تلوح في الأفق نهاية لها في «أبوجا» حتى تتأهب للتفجر في الشرق في الطريق إلى «أسمرة» للبحث عن حل.

الاستعمار يحاول العودة

ورغم أن حركة التاريخ لا ترجع إلى الوراء، لكن القوى الاستعمارية الجديدة كما يبدو، لم تتعلم بعد من التجارب الفاشلة القديمة والجديدة معا لإدراك أن محاولاتها لإعادة الاستعمار مغامرة فاشلة، ومقامرة خاسرة في ظل الإصرار على الحرية وإرادة المقاومة لدى الشعوب، وما يجري في السودان منذ استقلاله وحتى اليوم هو نموذج لمحاولة العودة الاستعمارية المحملة بالروح الصليبية والعنصرية الفرانكو أنجلو أميركية بدوافعها الصهيونية.

فعصر إخضاع المستعمرين للشعوب قد ولى، خصوصاً وأن لغة الإنذارات التي يطلقها الأقوياء الضعفاء في العراق وأفغانستان وفي فلسطين ولبنان لم تعد تخيف الضعفاء الأقوياء في الصومال أو في السودان، الذين يدفعون الدم ثمنا للحرية، وأن سلاح العقوبات الاقتصادية للابتزاز السياسي الذي أدمنه الأغنياء لم يعد يفلح في إخضاع الفقراء الأحرار الذين يدفعون الخبز ثمنا للكرامة.

لكن الذين تمتلئ قلوبهم بالعداء لوحدة وسلام السودان، والذين تتحالف لديهم مطامح الهيمنة السياسية بل والعسكرية، ومطامع السيطرة الاقتصادية، ومشاعر الهوس الديني والعنصري وأعراض الإسلاموفوبيا في واشنطن ولندن وباريس تجاه الوطن العربي والأمة الإسلامية والقارة الإفريقية، والذين أفقدتهم مشاعر العداء سمات العقلاء الأسوياء فجاءت مواقفهم العمياء مثالا للروح الاستعمارية والصليبية الجديدة، راحوا يشعلون الفتن ويسعون لتقسيمه وإخضاع إرادته السياسية ونهب ثرواته الاقتصادية تحقيقا لأطماعهم وأهدافهم الاستعمارية تجاه المنطقة العربية والإسلامية.

عروبة السودان وإفريقيته.. لا تناقض

السودان بلد عربي وإفريقي إسلامي مستقل وذو سيادة، وليس مستعمرة بريطانية ولا فرنسية ولا أميركية، وأن «دارفور» إقليم سوداني كل أهله مسلمون، ومن دارفور دخل الإسلام إلى بقية أقاليم السودان، والنزاع القائم في هذا الإقليم بين سودانيين مسلمين سواء من أصول عربية أو إفريقية.. فما شأن الأوربيين والأميركيين غير المسلمين للتدخل بشؤون العرب الأفارقة المسلمين ؟!

وبالتالي يكون من المنطقي أن يتولى السودان حل مشاكل أبنائه السودانيين بواسطة أبنائه السودانيين، فإن عجز لجأ إلى الأطراف الإقليمية الأقرب، مثل الجامعة العربية، فالاتحاد الإفريقي، فمنظمة المؤتمر الإسلامي، فالأمم المتحدة وفقا لإرادته وطبقا لسيادته، لكن من غير الطبيعي أن يدّعي بعض الأميركان والفرنسيين والبريطانيين أنهم سودانيون أكثر من السودانيين ودارفوريون أكثر من الدارفوريين!

ولأن هؤلاء لا يمكن أن يكونوا أكثر عروبة من العرب، أو أكثر إفريقية من الأفارقة، أو أكثر إسلاما من المسلمين، فلقد بادر العرب والأفارقة والمسلمون أكثر من مرة على مدى السنوات الأربع للنزاع في دارفور إلى رعاية أكثر من محاولة لإنهاء الصراعات المقررة خارجيا أو النزاعات المبررة داخليا لإحلال المصالحة والعدالة والسلام في ربوع السودان سواء في الجنوب أو في الشرق أو في الغرب..

وتصديا لما جرى من مناورات وضغوطات وعقوبات وتدخلات دولية في السودان لتوظيف التمايزات والخلافات الحزبية السياسية والقبلية والعرقية والدينية لإثارة الفتن الأهلية بهدف التقسيم للسيطرة على مكامن الثروة النفطية في الجنوب وثروة اليورانيوم في الغرب السوداني هو أشبه بلعبة شطرنج بين أصحاب المصالح الدولية المتشابكة من قوى النفوذ الاستعماري القديم والجديد على رقعة الشطرنج السودانية.

ماقبل «الدوحة» وما بعدها

آخر مشاهد هذه المبادرات العربية هو مشهد توقيع «اتفاق الدوحة» قبل أيام لبناء الثقة بين الحكومة السودانية و«حركة العدل والمساواة» المتمردة، بعدما قامت مؤخرا بمحاولة عسكرية دموية فاشلة لاحتلال «أم درمان».

وقد تجاوبتا مع المبادرة القطرية بهدف التوصل في نهاية المحادثات المتواصلة إلى سلام عادل وشامل يؤمل أن تشارك فيه بقية الحركات المسلحة المتمردة، ما لم يصدر من المحكمة الدولية بتواطؤ الدول الغربية، ما يعرقل السلام ويشجع المتمردين البادئين بالقتال في دارفور، والرافضين لاتفاقات السلام بتشجيع غربي مكشوف مثل «جبهة عبد الواحد» المقيم في باريس على مواصلة القتال!

مثلما تجاوبت حكومة السودان بتوقيع اتفاقية «أبوجا» للسلام مع كبرى الفصائل المتمردة بالسلاح في دارفور، برعاية الاتحاد الإفريقي وبمشاركة الجامعة العربية و«زوليك» الأميركي، والتي تستجيب للعديد من متطلبات علاقة متوازنة بين الإقليم والمركز، وكان من غير الطبيعي بعده أن تدعم واشنطن ولندن وباريس الفصائل التي لم توقع في استمرارها في التمرد المسلح، بينما تهدد وتندد بالخرطوم وتوزع الاتهامات وتفرض العقوبات!

ومثلما تجاوب السودان مع الجهود الأممية والإفريقية بتوقيع اتفاق «أديس أبابا» مع الأمم المتحدة بمشاركة الجامعة العربية و«جوناثان» الأميركي، والذي يقبل فيه السودان دعما أممياً لقوات إفريقية تبلغ حاليا سبعة آلاف جندي، وهو الاتفاق الذي يعرف باسم «اتفاق الأحزمة الثلاثة»، ويقبل فيه السودان في المرحلة الأولى دعما لوجستيا أمميا، وفي الثالثة يصل عدد القوات إلى عشرين ألفا بقيادة الاتحاد الإفريقي وليس الأمم المتحدة.

إن العقلاء من الساعين إلى سلام دارفور وسلام السودان هم الذين قبل هذا الاجتماع وبعده أولئك الذين التقوا عدة مرات في «سرت» بالجماهيرية، سواء للمصالحة بين الحكومة والفصائل الدارفورية المعارضة، أو في إطار مؤتمرين دوليين في «طرابلس» نتج عنها انضمام أربعة فصائل إضافية لمفاوضات السلام في «أروشا» استكمالا لاتفاق «أبوجا» .

وهم الذين اجتمعوا في «الرياض» على هامش القمة العربية ليصلوا إلى توافق بناء يحفظ للسودان سيادته وحقه في الرفض أو الموافقة على القرار الأممي 1706 لفرض الإذعان والوصاية، وقد تجاوب السودان مع رفضه للقرار، مع المساعي الأممية والإفريقية والعربية بالموافقة لأول مرة على دعم القوات الإفريقية في دارفور بمعاونات لوجستية أممية تطبيقا لما سبق أن وافق عليه بإرادته الكاملة بتوقيع اتفاق «أديس أبابا» مع الأمم المتحدة بمشاركة الجامعة العربية و«جوناثان» الأميركي.

مواقف غربية عدائية

لا من الترحيب بالكلمات بموقف حكومة السودان وما تم في الرياض من تفاهمات، وبدلا من التشجيع بالمكافآت لدفع بقية الأطراف المتمردة لإلقاء السلاح والتوقيع على اتفاقية أبوجا للوصول إلى السلام الحقيقي من دون تدخل أية قوات إفريقية أو أممية إلا لحفظ السلام طبقا للاتفاق، إذا بالسلام الأنجلو أميركي المزعوم المراد تحقيقه في دارفور كما يدعون يتكشف.

وإذا بكل أوراق التوت التي تخفي النوايا الشريرة تسقط فجأة وإذا بالرئيس الأميركي وتابعه البريطاني يوجهان الإنذارات والتهديدات للسودان بالعقوبات والتدخل العسكري بالقوة في مستنقع جديد للفشل حين تقدموا بتسرع واضح ودون مبرر كاف لمجلس الأمن بالمشروع السيئ الصياغة للقرار 1769 تحت الفصل السابع، بعد اندفاعاته الفاشلة بحماقة القوة في مغامراته المهزومة في العراق وأفغانستان وفي الصومال، وفي محاولاته «الصليبية» المحمومة لعزل وحصار سوريا وإيران والسودان، لينتهي به الأمر بعزل نفسه وحصار توابعه وجلب الكراهية لبلاده.

ممدوح طه