رويداً رويداً يعود سكان قطاع غزة إلى حياتهم الطبيعية نافضين عن كاهلهم غبار الحرب ويحاولون التعالي على آثارها المدمرة، لكن المكلومين والمنكوبين بفقدان الأبناء والأعزاء ما زال جرحهم كبيرا. والهم لا يوصف، خاصة أهالي المفقودين الذين غابت أجسادهم وأخبارهم عن ذويهم، إنهم مفقودو الحرب الأخيرة على غزة.
الجرح نازف في خاصرة الوطن، حيث الغموض الكبير يكتنف مصير العشرات من المواطنين شبابا ورجالا، وأبرزهم علاء الهمص، القيادي في كتائب شهداء الأقصى، الذراع العسكرية لحركة فتح، والذي اختفى أثره خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع الشهر الماضي. ولا يستطيع أحد أن يحدد مصيره هل هو على قيد الحياة أو مات شهيدا؟
وهناك أيضا المواطن الغزي محمد الداية الذي لايزال يبحث جاهداً عن أثر لأجساد أطفاله وزوجته، الذين استشهدوا خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، متلهفاً لأن يشيد لهم قبوراً بين الضحايا تجسد ذكراهم في ظروف قاسية غمضَ فيها مصير عشرات المفقودين. وهناك أيضا مأساة والدة المفقود حمزة الشغنوبي التي تكتوي بالألم والحسرة على ابنها.
وقد أفاد كثيرون أنهم عثروا قبيل أيام قليلة على جثث لنساء وشباب تحت أنقاض عدة منازل ليست لهم، بالرغم من أن ذويهم كانوا يعتقدون أنهم معتقلون لدى إسرائيل، مما يدلل على أن قوات الاحتلال قامت باقتيادهم إلى بيوت كانت تحتلها وقتلتهم بداخلها. وهذا ما يصعب التوصل إلى معرفة مصير كثير من المفقودين.
ويتحدث سامي الشقيق الأصغر لعلاء الهمص عن آخر اتصالات مع شقيقة المفقود فيقول: رغم عدم معرفتنا مكان تواجده، إلا أن علاء كان يطمئنهم على صحته بين الفينة والأخرى، سواء عبر اتصالات هاتفية أو من خلال زيارات خاطفة آخرها كانت بعيد انتهاء الحرب بساعات ولم يستغرق تواجده في المنزل سوى دقائق اطمأن خلالها على أشقائه وزوجته وبناته قبل أن يغادر على عجل، وبعدها انقطعت أخباره بصورة كاملة.
ويوضح الشقيق أنه وباقي أفراد العائلة أجروا اتصالات مكثفة مع جهات وأصدقاء في قطاع غزة في محاولة لمعرفة مكان علاء دون فائدة، ثم بدأوا بالتحرك على أكثر من صعيد خارجي إلى أن تلقت زوجته اتصالاً هاتفياً من شخص مجهول عرف نفسه بأنه من المخابرات الإسرائيلية وأبلغها أن زوجها متواجد لدى سلطات الاحتلال.
ويؤكد سامي أن الأهل في تحرك نشط في محاولة لمعرفة مصير ابنهم وهل هو على قيد الحياة أم تم إعدامه من قبل قوات الاحتلال. ويقول إنهم يتصلون بالمؤسسات الحقوقية الإسرائيلية لكنها لم تعطهم أجوبة شافية ولم تحدد لهم مكان تواجده أو مصيره. ويؤكد أنهم صعدوا تحركاتهم وبدأوا بالاتصال بمؤسسات حقوقية دولية إلى أن أبلغتهم إحدى المؤسسات بوجود قرار عسكري إسرائيلي يمنع نشر أية معلومات عن مصير علاء أو لقائه.
ويشير إلى أن أكثر ما أقلقهم هي المعلومات التي وصلتهم من معتقل عسقلان، والتي أكد معتقلون من خلالها بأنهم شاهدوا علاء يغادر المعتقل منقولا على حمالة طبية. وكان على ما يبدو فاقد الوعي، ما يشير إلى أنه ربما يتعرض لأبشع أنواع التعذيب من قبل مخابرات الاحتلال. ويؤكد أنهم حتى اللحظة لم يعرفوا بعد ظروف اعتقال علاء، وإن كان تعرض للإصابة خلال اعتقاله، أو إذا ما زال حيا، لكنه أوضح أن فرض حالة من الغموض على مصيره تثير مخاوفهم بصورة كبيرة.
المفقودون نوعان
والمفقودون في الحرب على قطاع غزة على صورتين: الأولى من فقدوا ولم يتمكن ذووهم من العثور على جثثهم أو أي آثار لهم بفقدهم تحت ركام منزل مثلا. أما الصورة الثانية وهى الأكثر حرقة وألما، فهي لمواطنين لا يعرف ذووهم عنهم أي أخبار وهل هم إحياء أم أموات.
ولا يزال العشرات من المواطنين في قطاع غزة في عداد المفقودين رغم عثور فرق الإنقاذ والطوارئ على عشرات الجثث تحت أنقاض المنازل التي دمرتها قوات الاحتلال في الحرب على قطاع غزة.. وأكثر الأسر إيلاماً في ملف المفقودين هي عائلة الداية التي فقدت 23 فردا، قتلتهم آله الحرب الصهيونية في حي الزيتون بمدينة غزة. ومنهم محمد الداية احد القلائل الناجين من المجزرة، وتعتريه خشية كبيرة ألا يتمكن من انتشال جثث أطفاله من تحت الأنقاض ويخشى ألا يجد لهم أثرا. ويقول برجاء ممزوج بالألم: من يوم ما رجعت.
وأنا أبحث تحت أنقاض البيت على أثر لأولادي أو حتى أشلاء، لكن حجم الدمار والركام الذي أسقطته الصواريخ فوقهم يؤخر هذا. وهناك 9 شهداء ما زالوا معهم تحت البيت. هذا غير والدي وإخوتي وأبناء عمي.
ويضيف بحرقة أولادي راحوا مني كلهم، وآمل أن تكون لهم قبور كباقي الأموات لأزورهم وتكون ذكرى ووجودا لهم، أريد أن أوفي لهم حقهم. صعب ألا يكون لهم قبور لأني سأبقى أذكرهم لأنهم كانوا لي كل شيء.
ويقول الجريح عامر الداية الذي شهد المجزرة إن الصاروخ الذي قذفته المقاتلات الحربية على منزل عائلة الداية كان ضخماً بحجم (برميل الماء الكبير) وأحدث دماراً يفوق بكثير أن يبقى أثراً منه لجسد إنسان. ويفيد كل ما أخرجوه من البيت كان قطع صغيرة من اللحم، وكل يوم يقلبوا الركام ولا يجدوا إلا بواق، ولا أظن أن يجدوا أكثر من هذا لأني رأيت الصاروخ قبل أن يسقط وكان حجمه هائلا.
قلب الأم
ويكتوي قلب والدة حمزة الشغنوبي حرقة بجهلها لمصير ابنها الذي لم يتم العثور عليه منذ الحرب حياً أو ميتاً، وتركض هذه الأم فور سماعها بعثور المواطنين على جثة أو انتشال أجزاء من أعضاء تجاه المكان آملة أن يكون هو. وتقطن عائلة الشغنوبي في حي الصبرة بمدينة غزة، وأعلن عن فقدان ابنها حمزة الذي لم يتم العثور على أي أثر له في المنازل التي قصفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى عدم معرفة ذويه للمكان الذي لجأ إليه أثناء الحرب.
وتقول أم حمزة بنفس متعبة(قهروا قلبي على ابني، لا عارفة ميت ولا حي، قصفوا البيت ولما رجعنا وجدنا مكانه حفرة كبيرة في الأرض، وفقدنا حمزة ولم نجده تحت أي منزل في المنطقة كلها). وتضيف: ما يقهر قلبي أنني لا أعرف أين ذهب أيام الحرب، خرجنا كلنا من البيت وهو خرج، ولا أعرف هل قتلوه أو أخذوه لكن المنطقة لم يعتقلوا منها أحد، أو أنه مات، فأين جثته؟