في الوقت الذي انشغلت فيه إدارة الرئيس الأميركي السابق بوش بالحرب على الإرهاب منذ وصولها للسلطة عام 2001 وأهملت معها الكثير من المصالح الأميركية في مناطق مختلفة في العالم مثل أميركا اللاتينية وأوروبا وشرق آسيا نراها لم تتوقف حتى آخر أيامها في البيت الأبيض في يناير الماضي عن دعمها لنظامي الحكم في كل من جورجيا وأوكرانيا.

حيث استمرت في ممارسة ضغوطها على الأوروبيين في حلف الناتو من أجل قبول البلدين في عضوية الحلف رغم اعتراض الأوروبيين على ذلك بسبب رفض روسيا القاطع لهذا الأمر، وردا على رفض الأوروبيين ذهبت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس في التاسع من يناير الماضي، قبل تركها لمنصبها بعشرة أيام فقط، لتوقع مع نظام الرئيس الجورجي ساكاشفيلي اتفاق تعاون استراتيجي، وهو إجراء طارئ ومهم لا يجب لإدارة حكم أن تجريه قبل رحيلها بأيام قليلة إلا إذا كانت تريد فرض أمر واقع على الإدارة المقبلة لتتعامل معه رغما عنها.

الوردية والبرتقالية : لقد اندلعت الثورة الوردية في جورجيا في خريف عام 2003، وخلعت الرئيس إدوارد شيفرنادزة وأتت بنظام حكم ليس فقط موال لواشنطن بل أيضا تم إعداد قادته هناك في المعهد الوطني الجمهوري في واشنطن، وذلك باعتراف الرئيس الأميركي السابق بوش في خطابه في العاصمة الجورجية تبليسي صيف عام 2006، وبعد عام واحد في خريف عام 2004 اندلعت الثورة البرتقالية في أوكرانيا.

والتي أتت بنظام موال تماما لواشنطن وضد روسيا ويطالب بانضمام أوكرانيا لحلف الناتو وطرد الأسطول الروسي الحربي من قاعدته الرئيسية على البحر الأسود المستأجرة من أوكرانيا، هاتان الثورتان تم الإعداد لهما ليس من قبل إدارة بوش، بل قبلها في عهد الرئيس الديمقراطي كلينتون، وهذا ما ورد في كتاب الخبير الاستراتيجي الأميركي ومستشار الأمن القومي الأسبق زيغينو بيرجنسكي تحت عنوان «رقعة الشطرنج الكبرى».

والذي احتل مرتبة الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة عام 1997، وفي الكتاب يشير بيرجنسكي إلى منطقة جنوب القوقاز كمنطقة غاية في الأهمية للاستراتيجية الأميركية «الأوراسية»، ويحدد بيرجنسكي أوكرانيا وجورجيا كهدف رئيسي يجب التركيز عليه لإغلاق منافذ البحر الأسود في وجه روسيا وكنقطة انطلاق لباقي دول منطقة القوقاز ووسط آسيا بهدف فصل روسيا في الشمال عن الصين والهند في الجنوب.

عودة الديمقراطيين

الآن يعود الديمقراطيون مع باراك أوباما للبيت الأبيض في واشنطن وتعود معهم استراتيجياتهم الخارجية التي ربما تتفق مع الجمهوريين في الثوابت والأسس من هيمنة وفرض نفوذ عالمي إلا أنها تختلف عنها في الأهداف ومواقع العمل على الساحة الدولية، حيث كان واضحاً اهتمام الجمهوريين بقيادة اليمين المحافظ في إدارة بوش بمنطقة الشرق الأوسط دون غيرها من مناطق العالم.

وحتى روسيا والصين لم تحظيا باهتمام من إدارة بوش، وكان هذا من حسن حظهما حيث كانت فرصتهما للتقارب فيما بينهما وللنمو والتنمية الاقتصادية والعودة بفاعلية للساحة الدولية، والآن، ومع عودة الديمقراطيين للبيت الأبيض، ورغم ترحيب غالبية دول العالم وشعوبه بفوز باراك أوباما بعد ما اقترفته إدارة بوش واليمين المحافظ طيلة الأعوام الثمانية الماضية، نجد أن الأمر في روسيا يختلف.

ويكشف هذا الأمر بوضوح استقبال موسكو لنبأ فوز أوباما في انتخابات الرئاسة، حيث كان مقررا أن يلقي الرئيس الروسي ميدفيديف خطابه في الكريملين أمام البرلمانيين الروس قبل إعلان النتيجة في واشنطن بيوم واحد لكنه أجل الخطاب لبعد إعلان النتيجة بفوز أوباما ليعلن الرئيس ميدفيديف في خطابه عن قراره بنشر «منظومة صواريخ اسكندر» في إقليم كاليننغراد الغربي في قلب أوروبا كرد على نشر نظام الدرع الصاروخي الأميركي في أراضي بولندا وتشيكيا.

ولم يهنئ ميدفيديف أوباما بالفوز بالرئاسة في هذا الخطاب، وإن كان الكرملين قد أرسل في اليوم التالي برقية تهنئة بروتوكلية لواشنطن، وأثار هذا الأمر دهشة وتساؤلات الكثيرين حول الموقف الروسي من عودة الديمقراطيين للبيت الأبيض. وبالعودة لجورجيا وأوكرانيا كبؤرتي اهتمام كبير من جانب واشنطن، نلاحظ أن نظامي الرئيسين يوشينكو في أوكرانيا وساكاشفيلي في جورجيا لم ينجحا في تنفيذ وعودهما التي وعدا بها شعبيهما طيلة السنوات الخمس الماضية.

بل على العكس زادت الأحوال سوءا في البلدين وازدادت أزماتهما الاقتصادية وتفاقمت أكثر مع اندلاع الأزمة المالية العالمية، ولم تستطع واشنطن الوفاء بوعودها للبلدين وفشلت في الضغط على الأوروبيين لقبولهما في عضوية حلف الناتو، كما اندلعت الصراعات على السلطة في البلدين، وخاصة بعد الهزيمة المخزية التي لقيها نظام ساكاشفيلي في جورجيا في أغسطس الماضي في حربه الفاشلة أمام روسيا، والتي أيده فيها نظام الرئيس يوشينكو في أوكرانيا بشكل أثار سخط وغضب الشعب الأوكراني عليه.

وبعد هذه الحرب اشتعل الصراع على السلطة في البلدين، وخاصة بين قادة الثورتين الملونتين، حيث دخل الرئيس يوشينكو في أوكرانيا في صراع حاد على السلطة مع رفيقته في الثورة البرتقالية رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكا، والتي تنوي منافسته على الرئاسة في الانتخابات القادمة نهاية هذا العام. ووصل الصراع بينهما إلى حد تبادل الاتهامات بالخيانة للوطن، وخاصة بعد أزمة الغاز مع روسيا في ديسمبر الماضي، والتي نجحت تيموشينكا في التهدئة من حدتها والوصول لاتفاق مع موسكو.

بينما أصر الرئيس يوشينكو على تصعيد الأزمة بهدف تشويه سمعة روسيا كأكبر مورد للغاز لأوروبا، ومازال يوشينكو يصر على انضمام أوكرانيا لحلف الناتو وعلى طرد الأسطول الحربي الروسي من قاعدته في القرم على البحر الأسود، وكأنه بهذا يسعى للتقرب من إدارة الرئيس أوباما ويثبت لها أنه مازال على الولاء ومازال هو الأصلح للرئاسة في أوكرانيا، وإن كان هذا الأمر أصبح محل شك كبير.

الرئاسة في جورجيا

في جورجيا أصبح وضع الرئيس ساكاشفيلي أسوأ بكثير من رفيقه الأوكراني يوشينكو، خاصة بعد هزيمته المخذلة أمام روسيا في أغسطس الماضي، حيث بات واضحا أن ساكاشفيلي قد أصبح بالنسبة لواشنطن ورقة محروقة وسيئة السمعة، وظهر له منافسون أقوياء على الرئاسة من رفاقه من قادة الثورة الوردية ومدعومين من واشنطن، ومنهم السفير السابق لجورجيا في الأمم المتحدة «إيراكل ألاسانيا» الذي عاد إلى جورجيا من واشنطن ليصرح علنا للصحافيين بأن ساكاشفيلي زج بجورجيا في حرب خاسرة وغير متكافئة مع روسيا.

على الرغم من أن إيراكل كان من أكبر المدافعين عن سياسة ساكاشفيلي أثناء الحرب. وقال إيراكل انه قبل الحرب كانت هناك إمكانيات كثيرة للاتفاق سلميا ليس فقط مع روسيا بل أيضا مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وقال انه هو بنفسه أجرى مباحثات إيجابية مع أوسيتيا الجنوبية، ويقول إيراكل إنه على ثقة من أنه ستجرى في جورجيا انتخابات رئاسة قريبا بعد أن فقد ساكاشفيلي ثقة الشعب وثقة الحلفاء في الغرب وواشنطن.

ويعتبر إيراكل المنافس الأول لساكاشفيلي على الرئاسة، بينما هناك منافس آخر من الورديين أكثر ثقة وشعبية وهو رئيسة البرلمان الجورجي «نينو بورجاندزة» التي زارت واشنطن في ديسمبر الماضي وعادت لتعلن أن ثقة الحلفاء في الرئيس ساكاشفيلي قد انتهت تماما، وطالبت بإجراء انتخابات عاجلة، هذا في الوقت الذي يرفض ساكاشفيلي تماما فيه إجراء أي انتخابات، ومازال يراهن على دعم واشنطن له ومساعدتها له من أجل استعادة أبخازيا وأوسيتيا لجورجيا.

أسلحة محرمة دولياً

رغم الصراع الدائر بين قادة الثورتين الملونتين في جورجيا وأوكرانيا، ورغم سوء الأوضاع الاقتصادية وتفاقم الأزمات في جورجيا وأوكرانيا، إلا أن موسكو ما زالت تتوقع تصرفات وأفعال متهورة من جانب النظامين ضد مصالحها وأمنها القومي، ولا تأمن موسكو كما أوضحنا خطط واستراتيجيات الديمقراطيين في واشنطن تجاه منطقة القوقاز والفناء السوفييتي السابق.

خاصة وأن لدى موسكو معلومات استخباراتية مؤكدة حول استمرار الدعم العسكري الأوكراني لجورجيا، الأمر الذي لا يجرؤ الرئيس الأوكراني على الإقدام عليه إلا إذا كان موجها ومدعوما من واشنطن، خاصة وان الرئيس الروسي ميدفيديف سبق وأن حذر أية جهة تدعم جورجيا بالسلاح بالرد عليها بقوة.

وعاد ميدفيديف في منتصف يناير الماضي ليلمح بتوقيع عقوبات اقتصادية على جهة تنوي دعم جورجيا بالسلاح، وكان يقصد أوكرانيا بالتحديد، وقد علمت موسكو من مصادر موثوقة أن وزير الداخلية الجورجي «شالفا جانشفيلي» طلب من نائب رئيس الشركة الأوكرانية «أوكراسبتس إكسبورت» لبيع السلاح أن يرسل لجورجيا أنواعا معينة من السلاح.

وأرسل له قائمة تحتوي على 67 نوعا من الأسلحة والمعدات الحربية. والخطير في الأمر أن جورجيا تطلب من أوكرانيا أسلحة محرمة دوليا، مثل «مصائد الألغام» المضادة للبشر والمركبات والدبابات، والمحرمة وفقا للمعاهدات الدولية في الأمم المتحدة لعامي 1980، 1997، وقد وصل إلى أوكرانيا سرا في آخر يناير الماضي ثلاثة من كبار المسؤولين الجورجيين (حسب موقع أنباء أوكرانيا على الإنترنت) والتقى مع مسؤول الأمن الخاص الأوكراني فالنتين ناليفايتشنكو في منزله سرا للاتفاق على توريد هذه الأسلحة لجورجيا.

من المتوقع ألا تصمت موسكو على ما يحدث في جورجيا وأوكرانيا وما يحاك ضدها من مخططات تعلم جيدا أن واشنطن وراءها، وأن إدارة الديمقراطيين في البيت الأبيض ستلجأ للعمل سرا في جنوب القوقاز ضد روسيا في الوقت الذي تعلن فيه نيتها عن تطبيع العلاقات وتسوية المشاكل وفتح الحوار مع روسيا، ولكن ما يعلن دبلوماسيا شيء وما يتم في الخفاء أشياء أخرى خاصة بين موسكو وواشنطن.

مغازي البدراوي