في العادة، يعطى الرئيس الأميركي الجديد، فرصة أيامه الأولى لترتيب أوضاعه؛ قبل البدء بمحاسبته، بما له وما عليه. والرئيس أوباما، مثل غيره جدير بهذه المدة. فلا يستقيم الحكم على رئاسته، بعد مرور شهر واحد فقط عليها. كما لا تصح مطالبته بتقديم الحلول، خلالها. لكن هذه الفترة، على قصرها، تسمح بالتقاط المؤشرات الأولية لأداء هذه الرئاسة ولنهجها؛ في رسم وترجمة المواقف والسياسات التي ستعتمدها في الحكم. والرصد المبكر هذه المرة، مبرّر بل مطلوب. فالرئيس الحالي، غير اعتيادي، بالمقاييس الأميركية. مجيئه غير مسبوق.
رصيده العالي وبالتالي التفويض الذي ناله، نادران. كذلك ظروفه، هي غير اعتيادية بامتياز. ما من رئيس أميركي جاء وأمامه كومة من المشكلات والتحديات المستعصية؛ كالتي ورثها الرئيس أوباما. ويزيد من ثقلها، أنها مستعجلة وضاغطة؛ لا تحتمل التأجيل وشراء الوقت. كل ذلك، جعل سقف التوقعات أعلى من أي وقت سابق. الأمر الذي وضع الرئيس تحت المجهر، من البداية؛ التي حملت علامات تفيد بأن الاقتدار في الحملة الانتخابية، لا يعني بالضرورة اقتدارا في الرئاسة. الأولى أدارها أوباما بكفاءة عالية ومن دون أخطاء. الثانية، لم تخل من الارتباك ومن غياب اللازم من القدرة على الاقتحام. ولو أن تجربته بقيت، حتى الآن، بمنأى عن السقطات الكبيرة. وفي ذلك اشارات مبكرة على ما قد تكونه هذه الرئاسة، في تعاطيها مع ملفات ساخنة ومعقدة. خصوصاً في الشرق الأوسط.
لا شك أن الرئيس أوباما، ادخل قدراً من التغيير، وعلى أكثر من صعيد؛ إلى البيت الأبيض. لكنه على الأرض، بقي غير منخرط في بعض الخيارات، أو متباطئا في تنفيذ وعود، كان قد قطعها أثناء حملته الانتخابية. انسحاب اثنين من الوزراء الذين اختارهم، بسبب مخالفات ضريبية أو لطخات في ملفاتهم الشخصية؛ كانت صدمة محرجة له. أثارت تساؤلات حول مدى الصوابية في التقدير، لدى الإدارة. خطة التحفيز التي طرحها، بناء على نصيحة فريقه الاقتصادي، كان للكونغرس الكلمة الفصل في شروطها وحجمها. لم ينزل بوزنه إلى ساحتها.
وهكذا الأمر وأكثر في مجال السياسة الخارجية. فما خلا الخطوط العريضة التي لاقت الاستحسان ؟ سواء في مقابلته مع (العربية)، أو في خطاب نائبه في ميونخ ر، بقي الرئيس بعيداً عن دائرة الضوء. ناهيك بالقرار أو المبادرة. حصر التحرك بفريقه. أوفد مبعوثه الخاص، ميتشل، إلى المنطقة. ثم انتظرت الإدارة الانتخابات الإسرائيلية. واضح انه ليس لديها مبادرة خاصة بها، بمعزل عن المعادلة الإسرائيلية وحساباتها. اكتفى الرئيس أوباما بإجراء اتصال هاتفي مع بيريز، طالباً عمل شيء بخصوص الاستيطان. إذا كان التعويل على هذا الثعلب، لوقف بناء المستوطنات؛ عندئذ تكون الرسالة قد وصلت. ولم يكن صدفة أن الزيارة الأولى لوزيرة الخارجية كلينتون، كانت إلى الشرق الأقصى وليس الأوسط؛ الذي بقي، في كل حال، خارج جولتها.
في ضوء ما كشفه الشهر الأول، اتسمت بداية الرئيس أوباما بشيء من الرخاوة. بدت وكأن حماية الرئيس، تحتل المكانة الأولى. خلت من مبادرة، حتى لا نقول صدمة، من العيار الثقيل. لا في الداخل ولا في الخارج. ربما كان المتوقع منه في شهر، كثيرا. لكنه توقع مشروع. فهو جاء ولا يزال بتفويض وزخم فريدين. والبداية عادة تحمل سمات المسيرة، خاصة إذا كان صاحبها لا ينوي مغادرة قواعد اللعبة.