قد يظن بعض الذين أمطروا وسائل الإعلام بتحليلات لا حصر لها عن العنصري الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان..أن ما يقال على لسانه لا يعبر به سوى عن نفسه.
هذا غير صحيح. ما يقوله جهراً يردده الإسرائيليون سراً بعيداً عن الميكروفونات. الباحث الإسرائيلي رافي سميث مدير معهد الاستطلاعات «سميث ريسرتش انستيتوت»، كشف ذلك بحكم خبرته في استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي. يقول ليبرمان بصوت عال ما يفكر فيه الإسرائيليون في قرارة أنفسهم. فكره، هو نبض يسري في عروق المجتمع اليهودي داخل إسرائيل. تجرأ على أن يكشف المستور والمخزون في عقول ساسة الكيان الإسرائيلي. وإلا فكيف فاز حزبه المتطرف بكل تلك المقاعد وصار أقوى ثالث حزب على الخريطة السياسية. بل قادر على أن يفرض سطوته على ليفني زعيمة كاديما، ونتانياهو زعيم الليكود إذا أراد أحدهما أن يشكل الحكومة، فقد لا يتم تشكيلها إلا باللجوء إلى ليبرمان. هذا العنصري القبيح، يردد ما قاله الحاخام العنصري البذيء مائير كاهانا زعيم حزب كاخ المعادي للعرب وقيل انه كان بالفعل عضوا مغمورا في كاخ قبل أن يتم حظرها.
قاد ليبرمان حملته الانتخابية بالضرب على وتر القومية اليهودية. يوصف بأنه ثور هائج في الساحة السياسية، يركب موجة بشعة من الغضب الذي يختزنه الكثير من اليهود في إسرائيل ضد الأقلية العربية على حد تعبير الباحث الإسرائيلي يوسي هالفي. ليبرمان يريد طرد عرب 48 ويقول« نواجه خطر فقدان القدرة على حماية إسرائيل من التهديد الداخلي وعلينا أن نعلم أطفالنا أن يفخروا بكونهم يهودا يعيشون في بلد يخصهم شرعيا». لا تفوت ليبرمان مناسبة إلا وسعى إلى تحريض اليهود على كراهيتهم لعرب الداخل، الذين يشترط عليهم لكي يبقوا، أن يقسموا بالولاء لإسرائيل وأن يخدموا في جيشها.
وكان شعاره الانتخابي «لا مواطنة بلا ولاء». أراد به أن يشعل التوتر بين اليهود وعرب 48 الذين يشكلون الآن خُمس سكان الدولة العبرية والذين وصفهم بأنهم الطابور الخامس في إسرائيل. لم يكتف بذلك، طالب بإعدام النواب العرب في الكنيست، لمجرد أنهم أعلنوا تضامنهم مع فلسطينيي الضفة والقطاع في محنتهم مع الاحتلال. مخطط ليبرمان قائم على الخلاص من عرب الداخل عندما يتم الاتفاق على قيام دولة فلسطينية. وذلك من خلال تبادل الأراضي، ويتم ذلك بترك المناطق «الإسرائيلية» المأهولة بالعرب للفلسطينيين مقابل ضم إسرائيل للكتل الاستيطانية المنتشرة في الضفة الغربية. برنامج حزبه في هذا الشأن يقول «الأرض مقابل الأرض، والسلام مقابل السلام». وللعلم فهو يعيش في مستوطنة يهودية قرب بيت لحم تسمى «نكديم»، ليؤكد أنه لاتنازل عن الاستيطان، بل يشجع اليهود على الإقامة في المستوطنات.
فكر ليبرمان العنصري، يستهوي الشباب اليهودي في الدولة العبرية الذي بات ينظر إليه على أنه سياسي قوي لا يخشى ما يقوله. كما أنه يستميل أولئك الذين لا يقبلون بوجود ليفني أو نتانياهو على رأس حزبي كاديما والليكود. ليبرمان أتي إلى إسرائيل مهاجراً من مولدوفيا التي عمل فيها «فتوة ملاهي» يحمي رواد كازينوهات الليل من الدخلاء. وبمنطق «الفتونة»، يؤمن بأن التسامح ليس العملة الصحيحة في الشرق الأوسط، وتلك هي المصيبة التي تنتظر كل العرب من إسرائيل التي اتجهت يمينا ولا يوجد صوت سلمي بين ساستها سوى لمن يردد «الأرض مقابل الأرض، أو الأمن مقابل السلام». أما شعار«الأرض مقابل السلام» أو «سلام الشجعان» الذي رفعه في التسعينات المخادعون والمخدوعون معا والذي لم يتحقق منه شيء، فقد داس الناخبون الإسرائيليون عليه بأقدامهم في الأسبوع الماضي وهم يصوتون لليبرمان ومن على شاكلته من الذين يؤمنون بفكره ولا يجهرون به.
حسن صابر