في نوفمبر الماضي أرسل الرئيس الأفغاني حامد كرزاي رسالة إلى الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف يطلب منه مساعدة روسيا لتطوير وتسليح الجيش الأفغاني بعد أن رفضت الولايات المتحدة ودول حلف الناتو القيام بذلك، وبعد بحث المسألة في موسكو جيدا أرسل الرئيس ميدفيديف رسالة لكرزاي في 19 يناير يقول له فيها إن روسيا مستعدة لتقديم المساعدة المطلوبة للقوات المسلحة الأفغانية وأن موسكو سوف ترسل وفدا من الخبراء العسكريين إلى كابول لبحث الموضوع وللاطلاع على أحوال الجيش الأفغاني.

في نفس اليوم قامت حكومة كرزاي بإرسال رسالة الرئيس الروسي ميدفيديف لجميع الوكالات الأجنبية لنشرها في وسائل الإعلام في اليوم التالي مباشرة 20 يناير يوم تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد أوباما في واشنطن، وفي نفس اليوم، وقبل إلقاء الرئيس الأمريكي أوباما خطابه في حفل التنصيب وقف الرئيس الأفغاني كرزاي يلقي خطابا أمام خريجي أكاديمية كابول العسكرية يقول فيه «إن عدم الاستقرار في أفغانستان ليس سببه هجمات طالبان، بل سببه هو هجمات القوات الأمريكية وقوات الناتو على المدنيين الأبرياء من الشعب الأفغاني وقتل المئات والآلاف منهم بشكل متعمد وبحجج غير مقبولة»، وقال كرزاي «لقد طلبت منهم مرارا تحديث الجيش الأفغاني لكنهم كانوا دائما يرفضون، والآن أقول لهم إنهم إذا لم يفعلوا ذلك بسرعة فسوف تفعله بلدان أخرى».

هذا الموقف من الرئيس الأفغاني تجاه حلفائه الذين أتوا به للحكم في أفغانستان يمكن فهمه بسهولة في إطار تدهور العلاقات بين واشنطن وقيادة الناتو من جهة ونظام الرئيس كرزاي من جهة، خاصة وأن الانتخابات الرئاسية في أفغانستان ستجرى في الصيف القادم، وكرزاي الذي كان محبوبا بشدة من إدارة الرئيس السابق جورج بوش لا يحظى بدعم فريق اوباما الذي لم ينادى بالإطاحة به علنا لكنه ينظر إليه على أنه مشكلة وليس حلا. وفي أول مؤتمر صحافي يعقده الرئيس باراك اوباما بالبيت الأبيض وصف حكومة كرزاي بأنها «منفصلة بشدة» عن شعبها.

ويريد اوباما انتهاج استراتيجية «المزيد مقابل المزيد» أي كلما أعطت واشنطن أكثر كلما أرادت أكثر في المقابل. وقد أعلن أوباما أنه يجب إعادة ترتيب الشئون السياسية في أفغانستان، وكتبت وكالة الأنباء الروسية نوفوستي في الثاني من فبراير نقلا عن وكالة رويترز أن الرئيس كرزاي نما لعلمه أن الرئيس أوباما أجرى لقاءات مغلقة مع قيادات أفغانية من المتوقع أن تنافس كرزاي في الانتخابات، ومنها وزير الخارجية السابق عبد الله عبد الله، ووزير المالية السابق أشرف غاني ووزير الداخلية السابق أحمد جلالي، وبدا واضحا أن واشنطن قررت التخلي عن كرزاي، وقد استخدمت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عبارات قاسية في وصف قيادة كرزاي حيث وصفت افغانستان بأنها «دولة مخدرات» خلال جلسات تأكيد تعيينها في هذا المنصب في يناير الماضي.

كما كتب سكرتير عام حلف الناتو باب دي هوب شيفر مقالة في صحيفة « واشنطن بوست » في منتصف يناير الماضي يوجه فيها اتهامات حادة للحكومة الأفغانية ويقول أن نظام كرزاي أصبح هو المشكلة الرئيسية في أفغانستان.

أهمية أفغانستان

في ظل هذه الأوضاع يمكن فهم دوافع كرزاي للجوء لموسكو، كما يمكن فهم موافقة موسكو على طلب كرزاي بالمساعدة في تحديث الجيش الأفغاني بأنها ستشكل ورقة ضغط كبيرة في يد روسيا على واشنطن وحلف الناتو اللذين يطلبان المساعدة من روسيا لتوصيل الإمدادات للقوات في أفغانستان عبر أراضيها بعد أن أغلقت جميع المنافذ ولم يعد سوى روسيا.

في الوقت الذي تسعى فيه موسكو لإجبار الناتو على العدول عن خطط توسيع الحلف في الجوار الروسي وضم جورجيا وأوكرانيا وأيضا إجبار واشنطن على العدول عن مشروعها لنشر نظام دفاعها الصاروخي في تشيكيا وبولندا، هذا إلى جانب عامل أخر هام للغاية بالنسبة لروسيا و هو «أفغانستان» نفسها كموقع استراتيجي هام للغاية في قلب أسيا سبق أن دخلها الاتحاد السوفييتي وفق إستراتيجيات القوة العظمى و خرج منها بدون مبررات واضحة، واعتبر خروجه أمام الرأي العام العالمي هزيمة واندحار.

رغم أن السوفييت كانوا هم الأقوى هناك بجميع المقاييس ولم يهزموا في أي صدام عسكري هناك، و مازال خبراء الإستراتيجية العالمية يعتبرون خروج السوفييت من أفغانستان خسارة كبيرة لموسكو وانتصار كبير لواشنطن، ويقول مدير معهد الديموغرافيا والهجرة والتنمية الإقليمية في موسكو يوري كروبنوف «إن أفغانستان تمثل موقعا، يمكن من خلاله السيطرةُ على الشرقين الأوسط والأدنى، بالإضافة إلى آسيا الوسطى وروسيا. وواشنطن تنظر إلى أفغانستان على أنه حاملة طائراتٍ ضخمةٌ، مخصصةٌ للسيطرة على محطة بنزين عملاقة».

ويرى كروبنوف أن الاتحاد السوفييتي أنفق على أفغانستان أموالا طائلة حيث درب الكوادر في مختلف الاختصاصات، وأقام المنشآتِ الزراعيةَ والصناعيةَ، بالإضافة إلى مرافق البُنى التحتية. وبعد ذلك تخلى غورباتشوف عن كل هذه الاستثمارات الهائلة وسحب قواته من هناك، لا لشيء إلا لكي يكسبَ ودَّ الغرب، ويعترف كروبنوف بأن الاتحاد السوفييتي دخل إلى أفغانستان لمعالجة قضايا ومسائلَ جيوسياسية، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أنه دفع عجلةَ التطور في ذلك البلد بشكل ملموس. وعبر كروبنوف عن قناعته بأن انسحاب القوات السوفييتة من أفغانستان كان خطأ كبيرا، وأن ذلك لعب دورا أساسيا في انهيار الاتحاد السوفييتي. ويؤكد أن الانسحاب لم يأت نتيجةً لتأزمِ الأوضاع في أفغانستان، بل لأنه لم تتواجد في ذلك الوقت في موسكو نخبةٌ قادرة على إنقاذ وتحديثِ كل من الاتحاد السوفيتي وأفغانستان.

الانسحاب السوفييتي

المحلل السياسي الروسي أندريه سوكلوف يقول لوكالة الأنباء نوفوستي «إننا لم نكن نحارب الأفغان.. بل إن دخول القوات السوفييتية إلى أفغانستان أنقذ هذا البلد الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية حينذاك فيما كانت الولايات المتحدة تعد عدتها لغزوه، وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفيتي كان يحارب في أفغانستان فقد مد يد العون إلى هذا البلد. وبلغ العون السوفييتي ما يعادل 50 مليار دولار أمريكي. وأنشأت أفغانستان مرافق البنية الأساسية ومصانع كثيرة وجيشا عصريا بمساعدة الاتحاد السوفيتي.

وتم إيجاد الكوادر المطلوبة للاقتصاد الأفغاني بمساعدة الاتحاد السوفييتي»، ويرى سوكلوف أن الوضع تفاقم منذ الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، إذ حصلت الهند وباكستان وربما إيران على سلاح نووي في حين لا تجد الولايات المتحدة أمامها سبيلا لاجتياز الأزمة الاقتصادية العالمية التي افتعلتها واشنطن بنفسها غير حرق الدولارات الفائضة في نار الحروب المحلية، ومن أجل تسوية هذا الوضع يرى سوكلوف أنه من الضروري أن تعود روسيا إلى أفغانستان وتساعدها على الخروج من دوامة القلاقل والاضطرابات التي تجرّ هذا البلد وجيرانه إلى هاوية سحيقة.

حيث أن بقاء أفغانستان على الوضع الذي هي عليه الآن، وهو ما تريده واشنطن، سيجعل منطقة وسط أسيا مهددة دائما بأعمال الإرهاب وظهور الجماعات المتطرفة، ومن الممكن أن تصل هذه التهديدات بسهولة إلى جنوب روسيا وإلى شمال الصين أيضا، ولهذا يجب على روسيا أن تولي أفغانستان اهتماما أكبر بكثير وأن تضعها على رأس أجندتها الاستراتيجية.

الرفض الأمريكي

لكن السؤال الهام، وربما «اللغز» الذي يحاول الروس كشفه في هذه القضية هو «لماذا ترفض واشنطن وقيادة حلف الناتو تطوير وتحديث الجيش الأفغاني في الوقت الذي يتوسلان فيه للدول الأخرى في الحلف وغيرهم لإرسال قوات لأفغانستان لتقاتل معهم ضد طالبان؟

الجيش الأفغاني الجديد عدده أكثر من مائة ألف فرد غير مسلح سوى برشاشات آلية من طراز كلاشنيكوف الروسي، بينما عدد القوات الأمريكية وحلف الناتو والقوات الدولية في أفغانستان لا يزيد على 67 ألف فرد، والرئيس الأمريكي أوباما أعلن منذ أيام أنه ينوي إرسال 30 ألف جندي لأفغانستان، والخلافات تهدد بانقسام حلف الناتو بسبب رفض الأوروبيين إرسال جنودهم لجنوب أفغانستان، و قوات حركة طالبان تتقدم وتسيطر على العديد من المدن وتضرب في العاصمة كابول و تكبد القوات الأجنبية خسائر فادحة، إذا لماذا ترفض واشنطن تحديث الجيش الأفغاني وإمداده بالسلاح والعتاد ليحارب معها طالبان؟

واشنطن تقول أن المسألة مكلفة ماديا وإمكانيات البنتاجون المالية محدودة، وهذا غير صحيح بالمرة في ظل مئات الملايين من المساعدات التي تتلقاها أفغانستان تحت إشراف واشنطن من جهات كثيرة في العالم، والبعض يفسر الأمر بعدم ثقة واشنطن والناتو في ولاء الجيش الأفغاني، ولكن هذا أيضا غير منطقي لأن هذا الجيش هو الذي يحمي نظام كرزاي ويحمي «الديمقراطية الأمريكية» المزعومة في أفغانستان، وأكثر من مرة امتدحت واشنطن في هذا الجيش و اعتبرت تشكيله إنجاز أمريكي كبير على طريق تحرير أفغانستان من الإرهاب وحماية الديمقراطية هناك.

المحلل الإستراتيجي الروسي أندريه ريباكوف كتب في صحيفة فريميا نوفوستي في التاسع من فبراير يقول «السؤال الذي يجب طرحه هنا هو.. هل تريد واشنطن حقا هزيمة طالبان والقضاء عليها؟» يرى ريباكوف إن هذا الأمر محل شك كبير ليس فقط لدى روسيا بل لدى الأوروبيين الذين يرفضون إرسال جنودهم لجنوب أفغانستان، و يضيف ريباكوف قائلا «طالبان عدو مفتعل صنعته واشنطن منذ البداية ليخدم مصالحها، وليس صحيحا أنها تمردت علي واشنطن كما يقولون، ولو أرادت واشنطن القضاء عليها لفعلت ،خاصة وأن مواقع طالبان كلها معروفة، بما فيها مقر قائدها الملا عمر، وليس معقولا لطالبان التي قوامها أقل من عشرة آلاف مقاتل بالرشاشات وقاذفات الأربيجيه المتواضعة أن تواجه كل هذه القوات الدولية العملاقة».