لم تكد تنتهي الجولة الواسعة من الحرب الاسرائيلية المجنونة على قطاع غزة، حتى بدأت منعكساتها الانتخابية تدب على الأرض داخل إسرائيل. فقبل أقل من شهر كامل من موعدها المقرر كان الثلاثي المتحد (أولمرت، باراك، تسيبي ليفني) يخوضون معركة تثبيت وقائع جديدة على الأرض في سياقات التمهيد للجولة الانتخابية الحاسمة في إسرائيل، حين أضحت دماء الفلسطينيين في قطاع غزة شعار الحملات الانتخابية بين أبرز المرشحين.
وفيما تبنى كل منهم أسلوبه الخاص للرد على الصواريخ الفلسطينية، إلا أن سمة القتل كانت الأبرز في خطابهم جميعاً، لتنتقل العملية الانتخابية من القصف والقتل على الأرض إلى شاشات التلفزة الاسرائيلية عبر المماحكات التي جرت في حينها، وبتسارع ملفت بين أقطاب الكتل الحزبية الاسرائيلية، وكل منها يدلي بزاده في محاولة لكسب أصوات الشارع الإسرائيلي الصهيوني، حتى لو كان الأمر يقتضي استخدام الكذب، ومفردات العنصرية، والاستناد على ثقافة سياسية تندرج تحت عناوين الانحطاط في الحديث المتكرر عن الفلسطينيين والصراع معهم وتمجيد العدوان عليهم، مع تصاعد تواتر صوت التطرف العنيف والفظ، والتضليل، وزرع الرعب والتشويش، بل التسابق في تقديم برامج الكراهية والعنصرية ضد فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948.
وبالرغم من المغامرة الكبيرة من الزاوية الاسرائيلية، التي أقدم عليها تحالف الثلاثي (أولمرت، ليفني، باراك) في العدوان الواسع على قطاع غزة، في سياقات كانت معروفة ومحددة، لتحقيق جملة من الأغراض التي يتقدمها الموضوع الإسرائيلي الداخلي، في محاولة لاكتساح أوساط اليمين واليمين المتطرف وسحب جمهوره من تحت سقف وبرنامج بنيامين نتانياهو وحزب الليكود، إضافة لحزب «إسرائيل بيتنا».
بالرغم من ذلك فقد صدقت استطلاعات الرأي في إسرائيل، التي تنبأت أن تحالف اليمين واليمين المتطرف بشقيه الديني والعلماني بات يتصدر المواقع المتقدمة الأولى في الحضور في الشارع الإسرائيلي قبيل الإقدام على صناديق الاقتراع للكنيست الثامنة عشرة. ومن هذا المنطلق نستطيع تفهم تماسك ليفني مع باراك وركوبهما القارب نفسه، وذلك بالرغم من نار الخلافات التي استعرت بينهما في مرات سابقة داخل حكومة «الوحدة الوطنية» تحت مظلة أيهود أولمرت.
الليكود وكاديما
على كل حال، فقد تلاقت نتائج الانتخابات البرلمانية للكنيست الثامنة عشر في إسرائيل مع تقديرات المتابعين بشكل عام، الذين كانوا قد أيدوا نتائج استطلاعات الرأي، وهي الاستطلاعات التي سبقت الانتخابات بأيام قليلة، وأشارت إلى احتمالات كبيرة لتصدر حزب الليكود الموقع الأول في عضوية البرلمان وصعود قوى اليمين بشكل عام، وهي القوى التي حازت على غالبية فاقت (النصف + واحد) وهي (الليكود+إسرائيل بيتنا+شاس+باقي الأحزاب التوراتية الصغيرة) إضافة لتراجع حزب العمل.
فإذا كان حزب كاديما قد حصل على ثلاثين مقعداً، فإن أحزاب اليمين حازت مجتمعة على أكبر عدد من مقاعد الكنيست. حيث فقد حزب العمل عددا من أصواته لصالح كاديما بينما جلب حزب «إسرائيل بيتنا» تأييداً كان يمنح عادة لحزب الليكود. ويبدو أن الشعور بضرورة التغيير الذي ينتاب الناخبين خلال الحملات الانتخابية قد لعب لصالح ليفني على الرغم من أنها عضو في الحكومة المنصرفة. ويعود سبب ذلك إلى أن نتانياهو وإيهود باراك قد توليا منصب رئيس الوزراء، وفشلا في إتمام ولايتيهم، ويكمن جزء كبير من جاذبيتها في أنها ليس أحد هذين الإثنين.
كما كشفت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة للكنيست الثامنة عشرة في إسرائيل، إفلاس مايسمى بتيارات اليسار الصهيوني، وانحسارها عن دائرة الفعل والتأثير داخل الدولة العبرية، مقابل نمو وتصاعد قوى وتيارات اليمين بشقيه «التوراتي والقومي العقائدي العلماني».
فقد اندحر حزب العمل إلى الموقع الرابع للمرة الأولى في تاريخ الدولة العبرية الصهيونية وذلك في سياقات التأكل المستمر بحضوره وتأثيره خلال عقدين من الزمن الذي مضى، بعد أن كان حزباً مؤسساً للكيان الصهيوني، والحزب الأول على مدار سنوات متتالية من عمر إسرائيل، واندحر معه أيضاً العديد من القوى الصغيرة المحسوبة على ألوان مايسمى «باليسار الصهيوني» لتتبوأ أيضاً مواقع خلفية، متراجعة عن مواقعها من حيث أعداد عضوية أعضائها في الكنيست السابق عن ما حل بالانتخابات الأخيرة.
فانكمشت أحزاب اليسار الصهيوني وعلى رأسها حزب العمل انكماشاً غير مسبوق في تاريخ إسرائيل، وكاد حزب العمل أن يتحطم كلياً في تخبطه السياسي، وأن ينهار معه تيار المؤسسين الذين أسسوا الدولة العبرية واقتصادها وجيشها وخاضوا حروبها التوسعية ضد الشعب الفلسطيني والبلدان العربية. وحتى شعاراته الاجتماعية ومناداته بـ «فصل الدين عن الدولة والعلمانية» التي تستقطب قطاعات من اليهود الغربيين (الاشكناز) فقد وجدت من يرفعها ويذود عنها في حزب «إسرائيل بيتنا» بقيادة المتطرف الفاشي أفيغدور ليبرمان بطريقة ناجعة تفوقا فيها على حزب العمل.
وغني عن القول بأن التراجع الذي أصاب حزب العمل وتيارات اليسار الصهيوني في الانتخابات الأخيرة للكنيست الثامنة عشر، لم يكن امراً مفاجئاً، بل كان متوقعاً من قبل المراقبين، لكن التراجع الذي وقع فاق التقديرات التي توقعها المراقبين والمتابعين، ليؤشر مرة ثانية وبشكل لا لبس فيه عن مدى التهتك الذي أصاب الحزب المؤسس لدولة إسرائيل، بالرغم من اشتراك الحزب المذكور بالحملة الدموية الأخيرة على قطاع غزة، حيث تزعم قائده الجنرال أيهود باراك وزارة الحرب الاسرائيلية، وأدار من خلال موقعه العملية البربرية ضد الفلسطينيين في القطاع.
غياب التسوية وسيادة العنوان الأمني
ومن بين الملاحظات الصارخة التي رافقت العملية الانتخابية الاسرائيلية للكنيست الثامنة عشرة، يلحظ بأن عناوين التسوية وعملية السلام في المنطقة غابت فعلياً عن برامج الأحزاب الاسرائيلية الرئيسية، ليحل مكانها العنوان الأبرز المتعلق بالموضوع الأمني على خلفية ذيول مرحلة مابعد العدوان على قطاع غزة، وعلى خلفية تفاقم الانقسام والمزايدات الشعاراتية بين الكتل الحزبية الاسرائيلية في هذا المضمار.
ومع ذلك فإننا نستطيع القول بأن هناك درجة ما من التوافق والتقاطع بين الأحزاب الأربعة الكبرى بشأن التسوية على مسارها الفلسطيني وحتى المسار السوري، حيث اللاءات المعروفة : لا عودة لللاجئين الفلسطينيين، القدس العاصمة الموحدة لإسرائيل، ولا إمكانية لدولة فلسطينية مستقلة تامة السيادة، كما لا إمكانية للنزول الكامل والتام من فوق هضبة الجولان السورية المحتلة.
وبالمقابل فان الفحص والتدقيق لرؤية كل من الأحزاب الرئيسية الاسرائيلية لقضايا التسوية وأفاق الحل، نجد بأنها لاتقدم سوى حلول مجتزئة، فحزب الليكود اليميني يعتبر أن الفلسطينيين غير جاهزين لتسوية ذات أبعاد تاريخية لإنهاء الصراع، وبالتالي فان جهود إسرائيل حسب الليكود «يجب أن تصب باتجاه مساعدة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء سلام فياض على تحسين اقتصاد الضفة الغربية، وهو ما يزيد بدوره من فرص عملية السلام».
بينما يؤيد حزب كاديما مواصلة محادثات السلام الاسرائيلية/الفلسطينية ويدعم قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح (على مساحة 45% تقريباً) من أراضي الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، انطلاقاً من أن «مصلحة إسرائيل كدولة يهودية تحتم قبول مبدأ إنهاء الصراع على أساس حل الدولتين بالصيغة المذكورة دولة إسرائيل وعاصمتها القدس، ودولة فلسطينية على مساحة 45% من الضفة والقطاع ودون عودة أي لاجيء».
وفي المقابل فان حزب «إسرائيل بيتنا» الذي يقوده الفاشي المتطرف أفيغدور ليبرمان فانه يدعو للحفاظ على الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، وانتهاج سياسة ترانسفير ضد المواطنين الفلسطينيين داخل مناطق 1948، كما يدعو أيضاً لمفاوضات مع السلطة الفلسطينية فقط حول مستقبل الضفة الغربية، والى البحث عن حل اقليمي للصراع تشارك فيه مصر والأردن. أما حزب العمل فانه يؤيد العودة للمفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وقيام دولة فلسطينية على مساحات من الضفة الغربية وقطاع غزة تحددها المفاوضات، وبحيث تبقى المستوطنات اليهودية الكبرى في الضفة الغربية تحت السيطرة الاسرائيلية.
الحكومة القادمة وثلاثة احتمالات ائتلافية
في هذا السياق، وعلى ضوء المعطيات التي أفرزتها النتائج الانتخابية، وفي ظل غياب وضوح الرؤية، تبرز ثلاثة خيارات لتشكيل الحكومة الاسرائيلية المقبلة. فالخيار الأول يتمثل بإمكانية قيام تحالف يضم (كاديما+العمل+إسرائيل بيتنا+شاس+ميريتس) وهو خيار احتمالاته ضعيفة نظراً لشخصية زعماء هذه الأحزاب، مع انه هو الخيار الذي يسعى إليه نتانياهو، حيث يفضل الأخير حكومة مع حزب العمل وكاديما أكثر مما يفضل حكومة مع ليبرمان (بالرغم من إعلان رئيس الليكود بنيامين نتانياهو أنه سيضم حزب «إسرائيل بيتنا» برئاسة إلى ائتلافة الحكومي وسيسند لليبرمان منصباً وزارياً هاما إذا انتخب لرئاسة الحكومة) حيث دارت حرب ضارية بين الليكود واتباع ليبرمان حول الشارع اليهودي الروسي لكسب أصوات، وذلك لأكثر من سبب.
وفي الجانب الأهم منها أن نتانياهو يدرك تماماً أن وجود ليبرمان في حكومته وبيده كتلة كبيرة يجعل منه رهينة بيده وبيد رؤيته السياسية، وهي رؤية تقود على الأرجح للتصادم مع الأميركيين، وخلق المتاعب لنتياهو. فنتانياهو يدرك أنه في حال إقامة تشكيلة حكومية ائتلافية مع حزب ليبرمان وحزب شاس المؤيدان له، يصبح الوضع الإسرائيلي الحكومي كوصفة مؤكدة للمواجهة مع إدارة اوباما.
خصوصاً وأن هناك معلومات بدأت تتسرب عن نية الرئيس الأميركي الجديد باراك اوباما إنشاء ائتلاف مع العالم الإسلامي وتجهيز نفسه للانسحاب من العراق، وإعادة تفعيل المسار التفاوضي مع سوريا كمسألة حاسمة بالنسبة لواشنطن، إضافة إلى أن تجمع الأحزاب الإسرائيلية الثلاثة الكبرى (الليكود) و(كديما) و(العمل) يتلاقى رسمياً وعلنياً على «لاءات» إسرائيلية تقليدية، تتمثل في عدم الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وعدم الانسحاب من القدس الشرقية، أو الانكماش إلى حدود الرابع من يونيو 1967.
أما الخيار الثاني فيتمثل بإمكانية قيام ائتلاف حكومي بين جميع قوى اليمين وخاصة (الليكود إسرائيل بيتنا شاس باقي الأحزاب التوراتية الصغيرة) التي تحظى بحضور يفوق (64) عضواً من أعضاء الكنيست بما يضمن لها نيل الثقة. وهذا الاحتمال ممكناً حال تعثرت الجهود الائتلافية بين كاديما والليكود على خلفية اقتسام الكعكة الحكومية.
أما الخيار الثالث، وهو الأقل احتمالاً ويتمثل بقيام حكومة مناصفة بين كاديما والليكود مع إشراك العمل، بحيث يتزعم الحكومة في نصف عمرها الأول تسيبي ليفني، وفي النصف الثاني من عمرها بنيامين نتانياهو أو العكس.