جرت الانتخابات الإسرائيلية، للكنيست الثامنة عشرة، يوم 10/2/2009، بمشاركة 33 قائمة حزبية أو انتخابية (مقابل 30 في الانتخابات السابقة)، وهو أعلى عدد من القوائم شهدتها إسرائيل، منذ قيامها، لكن 12 قائمة منها، فقط، استطاعت أن تحصل على مقاعد في الكنيست، بتجاوزها نسبة الحسم، وقدرها 2 بالمئة من عدد الناخبين.

بلغ عدد أصحاب حق الاقتراع في هذه الانتخابات 5278985 ناخبا إسرائيليا، وبلغت نسبة التصويت فيها 2,65 بالمئة، وهي أعلى بنحو 2 بالمئة من النسبة التي سجلت في الانتخابات السابقة (عام 2006). وبحسب نتيجة الانتخابات فقد توزّعت مقاعد الكنيست (120 مقعدا) على الأحزاب التالية: كاديما 28، الليكود 27، إسرائيل بيتنا 15، العمل 13، شاس 11، يهوديت هاتواره 5، الاتحاد الوطني 4، المفدال/البيت اليهودي 3، ميريتس 3، الأحزاب العربية 11 (الجبهة 4 القائمة العربية 4 التجمع 3).

وتعتبر هذه الانتخابات المبكّرة، أي التي تجري قبل اختتام الكنيست لولايتها الدستورية (أربعة أعوام)، السادسة من نوعها منذ 12 عاما (من العام 1996). ومن متابعة السياسة الإسرائيلية، منذ بداية عملية التسوية (في مطلع التسعينيات)، على الاجحافات المتضمنة فيها بالنسبة للفلسطينيين، يمكن ملاحظة ضعف الاستقرار الحكومي، واضطراب السياسة الإسرائيلية، وتنامي الخلافات بين أقطابها، ما يعني أن إسرائيل باتت تعيش نوعاً من الأزمة السياسية المستمرة، التي تجعلها تلجأ مرة تلو الأخرى إلى تقريب موعد الانتخابات، بسبب ضعف الإجماع، والخلافات بين تياراتها، من حول هذه العملية.

حصل ذلك في الانتخابات المبكرة في أعوام 1996 (سقوط بيريز ونجاح نتانياهو)، و1999 (سقوط نتانياهو ونجاح باراك)، و 2001 (سقوط باراك ونجاح شارون)، و 2003 (حيث فاز الليكود ب 38 مقعدا)، و 2006 على خلفية طرح خطة الانسحاب الأحادي من غزة، وانقسام حزب الليكود وإنشاء حزب كاديما؛ وفي هذا العام. وتفسير ذلك أن عملية التسوية ليست مجرد عملية خارجية بالنسبة لإسرائيل، والإسرائيليين، وإنما هي، أيضا، عملية داخلية، تتعلق بترسيم حدود هذه الدولة، الجغرافية والبشرية والأمنية، وتحديد هويتها، وتبرير قيامها، وتعيين دورها في الشرق الأوسط؛ وهذا مصدر التعقيد فيها.

أولاً: تحولات الخريطة السياسية والحزبية

تميّزت الانتخابات، هذه المرة، بوجود تنافس حامي الوطيس بين أربعة أقطاب، هم تسيبي ليفيني زعيمة حزب كاديما، وبنيامين نتانياهو زعيم حزب الليكود، وايهود باراك زعيم حزب العمل، وافيغدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا (لليهود الروس من القادمين الجدد). وقد تغذى هذا التنافس من وجود شعور لدى قادة حزبي الليكود و(كاديما)، بضرورة الحصول على المركز الأول، في حين أن حزب العمل كان يدافع عن مكانته في المركز الثالث، بالتنافس مع حزب إسرائيل بيتنا، الذي استطاع أن يزيح حزب العمل ويحل محله، في الخريطة الحزبية الإسرائيلية.

كذلك تميّزت هذا الانتخابات بحملات سياسية ساخنة، لاسيما بما يتعلق بموضوع العلاقة مع الفلسطينيين، وعملية التسوية، وبتحديد من هو الحزب الأكثر حسما في شن الحرب ضد المقاومة الفلسطينية، وجلب الأمن للإسرائيليين؛ لاسيما أن هذه الانتخابات جاءت بعيد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وبالنتيجة أفضت هذه الانتخابات إلى التحولات السياسية والحزبية التالية:

1 ـ استعادة حزب الليكود لمكانته في السياسة الإسرائيلية، التي احتلها منذ العام 1977، وخسرها عام 1992. وقد استطاع هذا الحزب زيادة مقاعده من 12 مقعدا في الكنيست السابق، إلى 27 مقعدا في الكنيست الحالية، على الرغم من انقسامه (2005)، وخروج عدد من زعمائه منه (على رأسهم أريئيل شارون)؛ الذين أقاموا حزبا بديلا، ومنافسا، هو حزب »كاديما». وعلى ضوء هذه النتيجة بات بنيامين نتانياهو (زعيم الحزب) يطرح نفسه كرئيس لحكومة إسرائيل المقبلة، رغم أن حزبه حل في المركز الثاني في الانتخابات، بفارق مقعد واحد لصالح حزب كاديما، بدعوى أن المعسكر اليميني فاز بأغلبية مقاعد الكنيست (60 مقعدا) مع أحزاب إسرائيل بيتنا وشاس والاتحاد الوطني والمفدال)، وهي تبلغ (65 مقعدا) إذا أضيف لها حزب يهوديت هاتوراه لليهود المتدينين الغربيين.

2 ـ انهيار مكانة حزب العمل في السياسة الإسرائيلية، إذ تراجعت حصته في الكنيست من 19 مقعدا في الانتخابات السابقة إلى 13 مقعدا في الانتخابات الحالية، وتراجعت معها مكانته بين الأحزاب الإسرائيلية، من المكان الثالث إلى المكان الرابع؛ وهو الحزب الذي لعب دورا كبيرا في قيام إسرائيل، وتحكم بحكوماتها المتوالية، حتى العام 1979.

3 ـ نجاح حزب (كاديما)، بزعامة تسيبي ليفني، بالحفاظ على مكانته في المكان الأول على رأس الخريطة الحزبية الإسرائيلية، في الوقت الذي كان يراهن فيه كثيرون على تضعضع مكانة هذا الحزب الخليط (من حزبي العمل والليكود).

4 ـ صعود حزب (إسرائيل بيتنا)، وهو حزب اثني علماني لليهود الروس من القادمين الجدد، واحتلاله المكان الثالث (محل حزب العمل) في الخريطة السياسية الإسرائيلية، مع 15 مقعدا في الكنيست مقابل 12 في الكنيست السابقة.

5 ـ تراجع مكانة حزب ميريتس (حزب يساري علماني مؤيد للتسوية)، إلى أدنى وضع له منذ تأسيسه، كحال حزب العمل، إذ لم ينل سوى ثلاثة مقاعد، ويعدّ ذلك مؤشرا على انحسار معسكر الاعتدال والسلام في المجتمع الإسرائيلي.

6 ـ نجاح القوائم العربية بزيادة حصتها في الكنيست من 10 مقاعد إلى 11 مقعدا. ويسجل لحزب التجمع نجاحه مرتين، الأولى بحصوله على ثلاثة مقاعد برغم مغادرة رئيسه عزمي بشارة للخارج مضطرا، والثانية بوصول امرأة (حنين الزعبي) على قائمته إلى الكنيست، في سابقة هي الأولى من نوعها.

ويمكن من خلال الجدول الأول ملاحظة التحولات في الخريطة السياسية والحزبية خلال الأعوام العشرة الماضية.

ثانياً: تحليل اتجاهات التصويت

تبيّن تركيبة الأحزاب والقوائم الانتخابية بأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع تعددي ومتنوع، ومنقسم على ذاته، في عديد من المسائل، وأهمها: عملية التسوية، والدين والعلمانية، والجانب الإثني؛ وهذا شيء طبيعي في دولة مصطنعة تأسسّت على جلب المهاجرين، من خلفيات اثنية وثقافية متعددة. ولا شكّ بأن طبيعية النظام السياسي في إسرائيل، المتأسّس على الديمقراطية والانتخابات النسبية، يساهم بدوره في إبراز هذا التعدد والتنوع والانقسام في المجتمع الإسرائيلي.

لكن ما يجب الانتباه إليه أن التعددية والتنوع وحتى الاختلاف بجري ضبطها في إطار العلاقات الدولتية/المؤسسة والديمقراطية، حيث تضطلع الدولة بدورها في الحفاظ على انتظام واستقرار العلاقات الداخلية، عن طريق الفصل بين السلطات، والمساواة بين المواطنين، وحل القضايا الخلافية بالوسائل القانونية والديمقراطية. وبديهي فإن الخطر الوجودي، وتداعيات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والشعور لدى الإسرائيليين بالعزلة والغربة في هذه المنطقة، تلعب دورا كبيرا في تخفيف حدة التناقضات والشروخ الداخلية الإسرائيلية، ولصالح تحقيق أعلى مستوى من الاجماعات الداخلية، لمواجهة التحديات الخارجية.

وحتى نتمكن من تعيين وتحليل توجهات الناخبين اليهود (بعد حسم التصويت العربي في الكنيست)، لا بد من تفحّص اتجاهات التصويت للكنيست، حول القضايا الساخنة، وهي قضايا التسوية والدين والهوية، والتي تشكل، كما قدمنا، محور الجدل الدائر في إسرائيل في هذه المرحلة، وهي على النحو التالي:

1 ـ التصويت السياسي بشأن الموقف من التسوية

والقصد هنا تحديدا موقف الإسرائيليين من عملية التسوية (بمعزل عن الناخبين العرب). وفي هذا الإطار فإن مؤشّرات التصويت في الانتخابات تبيّن بأن المجتمع الإسرائيلي منقسم على ذاته في موضوع التسوية، أكثر من أي موضوع آخر، ولكنها تبيّن أيضاً انزياح المجتمع الإسرائيلي من الوسط إلى ناحية اليمين والتطرف. ولعل هذا ما يفسر تزايد مقاعد الليكود وإسرائيل بيتنا. وبالمحصلة فإن معسكر اليمين بات يضم غالبية تقدر بحوالي 6065 نائبا في الكنيست. من الجهة الأخرى فإن الأحزاب الإسرائيلية (اليهودية) المؤيدة للتسوية، بشكل أو بأخر (كاديما ـ العمل ـ ميريتس)، وبحسب مفهومها له، بات لديها مجتمعة 44 مقعدا في الكنيست. ولاشك بأن هذا الوضع خسارة كبيرة لهذا المعسكر في موضوع التسوية.ويبين ذلك الجدول الثاني.

ويمكن الاستنتاج من ذلك بأن عملية التسوية قد تشهد تراجعاً كبيراً، ويمكن أن تتوقف. فحزب الليكود الذي سيشكل الحكومة على الأغلب بالتعاون مع قوى اليمين، لا يميل البتّة للتسوية، التي تتضمن التنازل عن الأراضي المحتلة، ولا إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو يفضل الحكم الذاتي، وتحسين حياة الفلسطينيين. فقط في حال وصلت الضغوط الدولية (وخاصة الأميركية) والإقليمية إلى درجة مناسبة يمكن حينها دفع إسرائيل نحو التسوية.

2 ـ التصويت الديني والعلماني

مازالت قضية التناقض بين المتدينين والعلمانيين تأخذ حجماً كبيراً من المجادلات والتوترات في المجتمع الإسرائيلي، لدرجة انه ثمة من يتحدث عن شعبين وعن طريقتين في العيش. ومشكلة إسرائيل أنها تعيش هذا التناقض منذ قيامها، فهي تأسست على كونها دولة علمانية، ولكنها تبرر وجودها بالأساطير الدينية، وتتمحور هويتها حول اليهودية، وحتى أن قوانينها تستمد كثيرا منها من الشرائع اليهودية.

ويكشف الصراع على طابع الدولة الديني والعلماني، عن حدة الاستقطاب وتزايده في المجتمع الإسرائيلي، لدرجة أننا إذا نحينا جانبا الجدل حول عملية التسوية، فإن التناقض بين هذين الاتجاهين بات يحتل المركز الأول بين التناقضات الداخلية الإسرائيلية، التي من ضمنها التناقض بين الشرقيين والغربيين، والتناقض بين اليسار واليمين، وبين القادمين الجدد والمواطنين القدامى، وغير ذلك من التناقضات الاجتماعية الأخرى.

ويعتبر حزب إسرائيل بيتنا، لليهود الروس القادمين الجدد حزبا علمانيا، وهو بات ثالث أكبر حزب، ويليه في ذلك حزب ميريتس الذي حاز على ثلاثة مقاعد، بمعنى أن الأحزاب العلمانية الخالصة حصلت على 18 مقعدا في الكنيست مقابل 16 في الكنيست السابقة. أما الأحزاب الدينية الخالصة، فثمة حزب شاس (وهو حزب للمتدينين الشرقيين) وهو خامس حزب في إسرائيل وله 11 مقعدا، وحزب يهوديت هاتوراه وهو حزب لليهود المتدينين الغربيين وله خمسة مقاعد، والمفدال وله 3 مقاعد، بمجموع قدره 19 مقعدا، في مقابل 21 مقعدا في الكنيست السابقة.

ويستدل من ذلك أن القوتين العلمانية والدينية حافظت على قواها، علما أن هذا الاختلاف العلماني/الديني متضمن في الأحزاب الأخرى، ولكنه مغيّب في هذه الفترة بسبب التركيز على التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها إسرائيل.

3ـ التصويت الإثني

تعتبر إسرائيل دولة تعددية متنوعة من الناحية الاثنية والثقافية، كونها قامت على الهجرة والاستيطان، ويعد التناقض بين الشرقيين والغربيين في المجتمع الإسرائيلي تاليا للتناقض بين العلمانيين والمتدينين. وبحسب مينا تسيمح، فإن 71 في المئة من الإسرائيليين مواطنون قدامى، 16 في المئة منهم من المهاجرين الجدد و 13 في المئة من العرب..أبناء الطوائف الشرقية يشكلون نسبة 39 في المئة في أوساط القدامى..والاشكناز 42 في المئة.» (يديعوت أحرونوت 3/3/2006). ومثلما رأينا أن ثمة أحزاباً علمانية ودينية خالصة، ثمة أيضاً الأحزاب الاثنية الخالصة، مثل حزب شاس لليهود الشرقيين وحزب إسرائيل بيتنا لليهود الروس، وأحزاب عربية_ انظر الجدول الثالث).

وكما قدمنا فإن حزب (إسرائيل بيتنا) استطاع زيادة مقاعده في الكنيست الحالية، من 11 إلى 15 مقعدا. وهذا الحزب يحاول احتكار تمثيل المهاجرين اليهود الجدد، من دول الاتحاد السوفييتي السابق، في مقابل الأحزاب الأخرى (خصوصا العمل والليكود وكاديما)، لاسيما بعدما انخرط حزب إسرائيل بعليا (الذي كان يمثل اليهود الروس أيضا) في حزب الليكود. وبحسب د. مينا تسيمح فإن المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق، يشكلون 5,16 في المئة من مجموع أصحاب حق الاقتراع في إسرائيل(يديعوت أحرونوت 23/3/2006) وبالنسبة لحزب شاس وهو حزب لليهود الشرقيين فقد استطاع الحفاظ على قوته في الكنيست، وإن كان مازال يطمح إلى تمثيل أوسع فيه.

أما العرب فهم بمثابة حالة خاصة كونهم يشكلون جماعة قومية، تختلف تماما عن الإسرائيليين اليهود، وهم بمعنى ما خارج المواطنة، أو ثمة شك بمواطنيتهم، من وجهة النظر الإسرائيلية، لاسيما على خلفية نمو هويتهم الوطنية والقومية، وتصاعد المخاوف مما بات يعرف بالخطر الديمغرافي، الذي يقصد به تزايد نسبة العرب في إسرائيل، وفي الأراضي المحتلة، بالقياس لليهود الإسرائيليين، ما يضعف من طابع إسرائيل كدولة يهودية، ويفتح المجال أمام تحولها لدولة ثنائية القومية، بمعنى ما.

وفي هذه الانتخابات استطاع فلسطينيو 48، لأوّل مرة في تاريخ إسرائيل، التمثّل بـ 14 نائبا في الكنيست، 11منهم انتخبوا في الأحزاب العربية و3 انتخبوا في قوائم الليكود وإسرائيل بيتنا وكاديما، على الرغم من أن نسبة التصويت عندهم كانت منخفضة (50%) وأقل من المعدّل الإسرائيلي العام (2,65%). وكان بإمكانهم تحصيل عدد أكبر (15 ـ 17) لو تم حشد نسبة أكبر من الأصوات.

ماجد كيالي