يحق للمرء أن يتساءل عما إذا كنا كعرب سنقف متفرجين إزاء المواقف التي تتخذها الحكومة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان. فهذه الحكومة ومنذ أن بدا عهد حزب العدالة والتنمية عام 2002 وهى تقترب من القضايا العربية وتبتعد بصورة حذرة عن إسرائيل.
من رفض انطلاق القوات الأمريكية من أراضيها لغزو العراق إلى تنظيمها لحوار غير مباشر بين سوريا وإسرائيل كاد أن يسفر عن اتفاق بين الجانبين حتى الموقف الرائع لها في أحداث غزة الأخيرة، فكل التقديرات تؤكد أن هذه المواقف والسياسات كلها ارتبطت بحكومة الحزب، وأنها تواجه بمعارضة داخلية لدى الأحزاب المنافسة له، ولدى المؤسسة العسكرية التي ترعى العلاقات التركية الإسرائيلية، باعتبارها احد الدلالات على انتماء تركيا للعالم الغربي، وهو ما يعني أن هذا الحزب لو ترك الحكم في أي انتخابات مقبلة ستحدث نقلة معاكسة في علاقات تركيا بالعالمين العربي والإسلامي.
وهنا يجب أن نطرح نحن العرب على أنفسنا سؤالا مهما وهو كيف نجعل من هذا التطور الاعتراضي إلى تطور دائم، ويمكن ذلك عبر دعم حكومة العدالة والتنمية بما يوفر لها أسباب النجاح في مهمتها الصعبة ويكون ذلك عبر دفع العلاقات الاقتصادية بينها وبين الدول العربية خاصة الغنية منها، ويكون ذلك عبر زيادة التجارة بين العرب وتركيا أي أن يعطى العرب الأولوية لتركيا في الاستيراد، وان تمنح الشركات التركية أولوية في التعامل مع القطاعات العربية المختلفة.
وفي هذا المجال لابد وان نشير إلى الدور الذي لعبته شركات المقاولات التركية ليس فقط في اعمار بعض الدول العربية ولكن في أنها أجبرت الحكومات التركية المتعاقبة وكانت في معظمها علمانية متغربة على انتهاج سياسة متوازنة تجاه العالم العربي.وهذا الأمر شرحه بالتفصيل الباحث بارى روبن في كتابه المهم (تركيا والشرق الأوسط)، حيث أشار إلى دور الشركات العقارية التي كانت تنفذ عمليات اعمار في ليبيا بالتحديد.
وزيادة التبادل التجاري بين الدول العربية وتركيا يمكن أن تحقق هدفين الأول أنها تدعم حزب العدالة والتنمية بما يهيئ الفرصة لاستمراره في الحكم لفترات مقبلة، والثاني أنها ستربط النخب التجارية والاقتصادية التركية بمصالح دائمة مع الدول العربية، وهو الأمر الذي يمكن أن يجعل من السياسة التركية المناصرة للقضايا العربية سياسة دائمة ليست مرتبطة فقط بحزب العدالة والتنمية ،وهو ما يؤدي إلى تحييد المؤسسة العسكرية في المستقبل لأنها لا يمكن أن تتخذ سياسات تتعارض مع مصالح هذه النخب.
الخلاصة أنها على العرب الاستكانة لما تم وتصور أن تركيا اتخذت مواقفها انطلاقا من أنها تقف مع الحق العربي أو انه طالما أن الحق معنا فبالضرورة ستقف تركيا معنا. وعلينا إدراك أن العدالة والتنمية يواجه بمشكلات كبرى في الداخل التركي لا تقف فقط عند تصدي النخبة العلمانية بجناحيها المدني والعسكري له ولكن تمتد إلى تراجع شعبية الحزب، وهو الأمر الذي يتطلب الدعم الذي اشرنا إليه، وإلا سنجد أننا فقدنا صديقا لنا وان خلفه يتخذ منا موقفا عدائيا. فلنتحرك الآن قبل فوات الأوان.