قرار رئيس قيرغيزيا قرمان باقييف في الثالث من فبراير الجاري أثناء زيارته الرسمية لروسيا بطرد القاعدة العسكرية الأميركية من أراضي بلاده يثبت أن موسكو قد قررت اللعب مع واشنطن على المكشوف، خاصة أن القرار جاء بعد إعلان الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف في المؤتمر الصحافي أن روسيا قررت منح قيرغيزيا مساعدة مالية قدرها 150 مليون دولار وقرضا قدره ملياري دولار لمواجهة الأزمة المالية.
وفي نفس المؤتمر الصحافي أعلن الرئيس القيرغيزي عن إجلاء القاعدة الأميركية وتحويل القرار للبرلمان القيرغيزي للتصديق عليه، ولم تصدر من واشنطن أية ردود فعل حادة حتى الآن، فقط قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية انهم لم يبلغوا رسميا بالقرار.
القاعدة الأميركية في مطار (ماناس) القريب من العاصمة القيرغيزية بشكيك هي اخر قاعدة أميركية عسكرية في وسط اسيا. وكانت قيرغيزيا قد منحت الأميركيين هذه القاعدة في عام 2001 بعد أحداث 11سبتمبر لدعم الحملة الأميركية ضد الإرهاب في أفغانستان مقابل إيجار سنوي رمزي قدره مليونان ونصف مليون دولار.
وفي نفس التوقيت منحت جمهورية أوزبكستان للولايات المتحدة قاعدة أخرى على أراضيها، ولكن أوزبكستان قررت في عام 2005 طرد القاعدة الأميركية من أراضيها.وآنذاك كان نظام رئيس أوزبكستان إسلام كريموف يعد من أقرب الأنظمة لواشنطن في المنطقة. وعندما تعاملت السلطات الأوزبكية مع حركة التمرد في مدينة إنديجان في مايو 2005 بأقسى أشكال العنف والقسوة وسقط الكثير من الضحايا، فوجئ الرئيس كريموف بحليفته واشنطن تكيل له الاتهامات والانتقادات الحادة وتطالب بتحقيق دولي في الانتهاكات التي وقعت في أحداث أنديجان.
واكتشف كريموف أن المخابرات الأميركية كانت لها يد داعمة لحركة التمرد ضد نظامه، ولهذا أصدر على الفور بعد الأحداث قراره التاريخي بطرد القاعدة الأميركية من أراضي الدولة، وحدد لها مدة ثلاثة أشهر فقط للمغادرة.
وبالفعل غادرت القوات والطائرات الأميركية قاعدة خان أباد في أوزبكستان متوجهة إلى قاعدة ( ماناس) في قيرغيزيا. وبعد ذلك زار الرئيس الأوزبكي كريموف روسيا ووقع معها اتفاق تحالف استراتيجي (أمني وعسكري) في نوفمبر من نفس العام نفسه. وصرح للصحافيين آنذاك قائلا(إن أحدا لا يستطيع أن يعترض على أي وجود عسكري لروسيا على أراضي أوزبكستان) أي أنه استبدل الحليف الخائن البعيد بالجار الصديق القريب.
ولم يبق للولايات المتحدة في المنطقة المجاورة لأفغانستان سوى قاعدة (ماناس) في قيرغيزيا، وإغلاق هذه القاعدة يعني المزيد من المصاعب والتعقيدات أمام القوات الأميركية والدولية في أفغانستان، حيث ان (ماناس) كانت آخر معبر إمداد لهذه القوات في المنطقة باعتبارها أقرب محطة تمويل وانطلاق إلى أفغانستان بينما أقرب القواعد بعدها تقع على مسافة بعيدة للغاية في شرق أوروبا في بلغاريا.
وبالطبع لم تستبعد واشنطن وقوف روسيا وأيضا الصين وراء طرد قواعدها من وسط اسيا، خاصة وأن منظمة شنغهاي التي تضم روسيا والصين مع دول وسط اسيا كانت قد أصدرت قرارا في قمتها عام 2005 بضرورة إخلاء المنطقة من القواعد العسكرية الأميركية باعتبار أن الحملة الأميركية على الإرهاب قد فقدت مبرراتها ومصداقيتها ولم يعد هناك مبررا لوجود هذه القواعد في منطقة وسط اسيا الواقعة بين الحدود الصينية والروسية.
هذا إلى جانب أنه لدى كل من موسكو وبكين معلومات أكيدة حول دعم واشنطن للمعارضة وحركات التمرد في بلدان أسيا الوسطى بهدف استبدال الأنظمة الحاكمة فيها بأنظمة تدين بالولاء الكامل لواشنطن وتنفذ مخططاتها في المنطقة، والتي من ضمنها دعم الأقاليم المتمردة في الصين والتحرش بروسيا وجرها لنزاعات مستمرة على حدودها بهدف استنزاف قوتها وتبطئ عجلة التنمية فيها، وهذا ما حدث من النظامين الحاكمين في جورجيا وأوكرانيا.
وفي قيرغيزيا كان نظام الرئيس عسكر أكاييف الموالي أيضا لواشنطن هووالذي منح الأميركيين قاعدة ( ماناس). وفي عام 2005 اندلع انقلاب ضد الرئيس أكاييف فهرب مع أسرته إلى موسكو بعد أن رفضت حليفته واشنطن استقباله عندها، وتولى الحكم بعده قرمان باقييف الذي أخذ بدوره يساوم واشنطن على هذه القاعدة، وطالب برفع إيجار القاعدة مئة مرة ليصبح مئتين وخمسين مليون دولار في السنة، وبعد مفاوضات دامت نحو عامين وافقت واشنطن على رفع قيمة الإيجار إلى مئة وخمسين مليون دولار.
رفض شعبي
موسكو وبكين لم تقبلا بقاء القاعدة الأميركية في المنطقة، وظلت محاولاتهما لإقناع السلطات القيرغيزية بطرد القاعدة مستمرة، إلا أن الرئيس باقييف كان يطمح من واشنطن لما هو أكثر من قيمة إيجار القاعدة من استثمارات ومساعدات اقتصادية، وعلى ما يبدو كما يرى البعض - أن طموحات باقييف في واشنطن قد تبددت بعد انفجار الأزمة المالية العالمية التي ضربت الاقتصاد الأميركي في الصميم، فقرر أن يغير الاتجاه تماما نحو موسكو.
وساعد باقييف على ذلك الرفض الشعبي داخل قيرغيزيا لوجود القاعدة الأميركية، فقد تشكلت في العاصمة بشكيك حركة شعبية تحت اسم ( من أجل طرد الأميركيين) تضم أحزابا ومنظمات سياسية واجتماعية قيرغيزية، وزاد من حدة الرفض الشعبي وقوع حادث قتل لمواطن قيرغيزي برصاصة أطلقها عليه جندي أميركي في السادس من ديسمبر كانون الأول عام 2006 عندما شاهده يقترب من القاعدة.
وبعد الحادث اندلعت المظاهرات في العاصمة بشكيك تطالب بطرد القاعدة وتسليم الجندي الأميركي القاتل للسلطات القيرغيزية لمحاكمته، لكن السلطات الأميركية أمرت بترحيل الجندي لأميركا بحجة استدعائه للتحقيق، واندلعت مظاهرات أخرى في يونيو 2007 على اثر زيارة وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس لقيرغيزيا لبحث مشاكل استمرار القاعدة.
ووجه غيتس انتقادات للسلطات القيرغيزية لعدم تدخلها ولا مرة واحدة لمنع المظاهرات، وبعد زيارة غيتس بأيام قليلة صدر تصريح عن الخارجية الأميركية حول احتمال استخدام قاعدة ( ماناس) لضرب إيران، الأمر الذي زاد من حدة المظاهرات والمطالبة بطرد القاعدة الأميركية. واللافت للنظر أن المتظاهرين القيرغيز كانوا يحملون الأعلام السوفييتية الحمراء وينشدون النشيد الوطني السوفييتي بينما سلطات الأمن واقفة عن بعد تراقب ولا تتدخل لمنع المظاهرات.
الأزمة في أفغانستان
لقد قررت موسكو أن تلعب مع واشنطن في وسط اسيا على المكشوف حتى تثبت لها أن هذه المنطقة كانت ومازالت وستظل منطقة نفوذ روسية غير مسموح لخصوم روسيا وخاصة الأميركيين بالتواجد فيها، وجاءت زيارة الرئيس القيرغيزي باقييف لموسكو ليتلقى الهدية الروسية مقابل طرد القاعدة الأميركية بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إرسال ثلاثين ألف جندي إلى أفغانستان في الوقت الذي أعلن فيه عن نيته سحب القوات الأميركية من العراق في أقرب وقت.
الأمر الذي يعني أن أفغانستان مرشحة لتصعيد الأحداث فيها، وتسعى موسكو للعب بالورقة الأفغانية لإجبار واشنطن على الخضوع لطلباتها وتسوية المشاكل العالقة بينهما، خاصة ما يتعلق بنشر منظومات الدفاع الصاروخي الأميركي في تشيكيا وبولندا بالقرب من الحدود الروسية، وكذلك مسألة انضمام جورجيا وأوكرانيا لحلف الناتو.
ولهذا قررت موسكو حسم أمر القاعدة الأميركية في قيرغيزيا حتى لا يصبح أمام واشنطن سوى خيار واحد فقط إذا أرادت الاستمرار في أفغانستان، هذا الخيار هو اللجوء لروسيا لتوافق على مساعدة القوات الأميركية وحلف الناتو في أفغانستان بالسماح باستخدام أراضيها كمحطة إمداد لهذه القوات بعد أن أغلقت جميع المنافذ الأخرى، وبالقطع ليس هناك الآن في الولايات المتحدة ولا في حلف الناتو من يستطيع أن يقدم لقيرغيزيا مثل ما قدمت موسكو، خاصة في ظل ظروف الأزمة المالية العالمية التي تهدد الاقتصاد الأميركي بالانهيار التام على حد تصريحات باراك أوباما الأخيرة.
قوات انتشار سريع
لقد بات واضحا أن روسيا تسعى لاستعادة نفوذها في منطقة اسيا الوسطي الواقعة بينها وبين الصين، وبكين نفسها ليس لديها اعتراض على ذلك، بل ترحب به كثيرا في ضوء التنسيق والتعاون القائم بينها وبين موسكو الآن في مختلف المجالات، وبطرد القاعدة الأميركية من قيرغيزيا تصبح منطقة وسط اسيا خالية تماما من أي وجود عسكري أجنبي.
الأمر الذي يمهد الطريق لروسيا لتحقيق طموحاتها، وهذا ما بدا واضحا من القرار الروسي الذي صدر في نفس توقيت الإعلان عن طرد القاعدة الأميركية، حيث أعلن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف أن مجلس الأمن الجماعي التابع لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي وافق على تشكيل قوات للانتشار السريع تابعة للمنظمة.
مغازي البدراوي