العثمانية الجديدة هي المسمى الذي يطلق على السياسة العربية والإسلامية لحزب العدالة والتنمية التركي الذي يحكم تركيا منذ عام 2002. وهذه السياسة ليست كما يعتقد البعض تعتبر إحياء للخلافة العثمانية، وإنما هي تقوم على القيام بدور فعال ورئيسي ومركزي في المجال الحيوي لها أي العالمين العربي الإسلامي واسيا الوسطي وغيرها من المناطق المحيطة بها وارتبطت بتركيا برباط تاريخي أو جغرافي، وعلى الأخص أن كانت هذه المناطق من تلك التي كانت خاضعة لنفوذ الدولة العثمانية.

وبالطبع لابد وان ندخل في الحسبان هنا أن احد ملامح السياسة العثمانية الجديدة أن تركيا التي يحكمها حزب ذو مصادر إسلامية تسعى إلى زعامة الإسلام السني في مواجهة الخطر الشيعي الذي تمثله إيران التي ظلت على مدى التاريخ في حالة تنافس إقليمي معها ممثلة في الدولة الصفوية التي كانت تتنافس على الدور الإقليمي مع الدولة العثمانية خاصة في المرحلة التي أصبحت فيها هذه الأخيرة رجل أوروبا المريض. وهى الفترة التي زاد فيها معدل التشيع في العراق على النحو الذي أورده اسحق نقاش في كتابه «شيعة العراق».

عوائق أمام الحلم

أي أن العثمانية الجديدة تختلف عن تلك التقليدية في أنها انتقلت من الهيمنة والسيطرة إلى القيام بدور مركزي في تفاعلات المنطقة المحيطة بتركيا. والسؤال المهم الذي يطرح نفسه في هذا السياق يتعلق بما إذا كان انتهاج هذه السياسة هو بديل عن الحلم الذي ظل يهيمن على المخيلة التركية وهو أن تصبح عضوا كاملا في الاتحاد الأوروبي.

خاصة وأنها بدأت مع وجود مؤشرات تؤكد أن هناك عوائق ثقافية واقتصادية بل ودينية تحول دون تحقيق هذا الحلم الأوروبي، الأمر الذي دفع حكومة رجب طيب أردوغان إلى البحث عن سياسة بديلة أو مجال جديد للتحرك يتناغم مع الأفكار الخاصة بهذا الحزب وهى الأفكار الإسلامية فكانت العثمانية الجديدة.

ولكن المتفق لدى المحللين المهتمين بالشأن التركي، خاصة ما يتعلق بالعلاقة بينها وبين أوروبا الموحدة وما يتعلق بعلاقاتها الإقليمية في المحيط، خاصة دول الجوار الجغرافي لها، يرون أن هناك تكاملاً بين العلاقتين، حيث انها ومنذ احداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وهي تريد أن تقدم نفسها باعتبارها يمكن أن تكون هي جسر التواصل والحوار بين الغرب خاصة الأوروبي والعالم الإسلامي، خاصة وان علاقات الجانبين تمر بأزمة منذ هذه الأحداث وحتى الآن.

ومن يتابع السياسة الإقليمية لتركيا سيجد أن هناك بوصلة أساسية تميزها وهي تتعلق بقيامها أو استعدادها للقيام بهذا الدور. ولعل هذا الأمر هو السبب الأساسي في صبر المؤسسة العسكرية على حزب العدالة والتنمية، الذي يطبق سياسات تبدو للوهلة الأولى أنها تمثل انحرافا عن السياسة التقليدية لأوروبا الكمالية العلمانية، ولكن الصحيح أن هذه السياسة تقرب تركيا أكثر في إن تكون جزءا من العالم الغربي.

قبول داخلي

ولعل هذا الأمر هو الذي يفسر عدم معارضة الأحزاب الأخرى خاصة العلمانية منها للتوجه التركي في الوقت الراهن. بل اننا نستطيع القول ان الأحزاب القومية المتطرفة التي تمثل المعارضة القوية داخل البرلمان في الوقت الراهن تجد في هذه السياسة استعادة لدور إقليمي مركزي تسعى هذه الأحزاب إلى إحيائه، لأن حزب العدالة والتنمية لا يقتصر فقط في سياسته على العالم الإسلامي بل يمتد إلى ما تطلق علية هذه الأحزاب العالم التركي الذي يضم كافة الدول التي تعيش فيها أقليات تركية وهي في معظمها مناطق في البلقان وآسيا الوسطي.

وفي هذا الصدد لابد وان نؤكد أن الحزب في سياسته لا يسعى إلى تأكيد إسلاميته بقدر ما يسعى إلى إقناع العالم الغربي أن تركيا ضرورية من اجل حماية المصالح الغربية، فكل التحالفات التركية في المنطقة المحيطة بها تسير في هذا الاتجاه، فهي تدرك أن الغرب يسعى إلى حصار إيران عبر آليات محددة وهي لا تقاوم هذا الأمر بل يمكن أن تساعد عليه استنادا إلى أسباب مذهبية، وهي تسعى إلى قيادة معسكر الاعتدال في المناطق المحيطة بها يضم كلا من مصر والمملكة العربية السعودية والأردن ولبنان في ظل حكم تيار المستقبل.

حرب غزة

وفي الأزمة الأخيرة في غزة التي كانت تركيا تتخذ موقفاً متشدداً تجاه الغارات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، لم يكن موقفها يختلف كثيراً عن موقف الدول انتقادات لحركة حماس حيث قال ان الحكومة التركية دعت حركة «حماس» إلى انتهاج أساليب سلمية لتحقيق أغراضها بدلا من الكفاح المسلح، وأضاف «نقترح أن يعملوا داخل إطار النظام السياسي. حماس حصلت على 44 في المئة من الأصوات في الانتخابات الماضية. من المستحيل تجاهل هذه القاعدة.

وهذا الأمر يمكن أن يفسر بأن تركيا تسعى إلى دفع حماس إلى التخلي عن العمل العسكري المسلح وهو ما يتوافق مع الموقف الغربي في هذا الخصوص. وهناك من يعود بهذا الاتجاه إلى حرب الخليج الثانية عندما رفض تركيا أن تكون أراضيها موقعا لانطلاق الهجمات الأمريكية ضد العراق، حيث انها في هذا الموقف لم تكن تختلف عن مواقف الدول الأوروبية الرئيسية خاصة ألمانيا وفرنسا وهو ما فسر بأنه محاولة للتقارب مع هاتين الدولتين من اجل تحقيق حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وبالطبع فإن هذه السياسة من إبداع حزب العدالة والتنمية وهو سيظل مرتبطا به، فالحلم الأوروبي من ثوابت السياسة التركية لكن أسلوب التنفيذ يختلف من حزب لآخر، وأسلوب التطبيق في حالة حزب العدالة والتنمية يتوافق مع أفكار الحزب وإيديولوجيته السياسية وأيضا مع آمال وأحلام عناصر الحزب وكوادره. وجزء من صبر المؤسسة العسكرية على الحزب أنها ترى انه يقرب تركيا من هذا الحلم بعدما فشلت كافة الأحزاب التي حكمت تركيا الاقتراب من الحلم.

ويجب هنا أن نضيف أن الحزب يحكم حاليا بتفويض شعبي كبير، أعطى له مناعة في مواجهة هذه المؤسسة، بما أعطى له الهامش الكبير من المناورة في تنفيذ سياساته التي كانت صادمة في البداية للنخبة العلمانية ولكن نفس النخبة عندما رأت أن هناك قبولا شعبيا كبيرا لها لم تقاومها أو تعارضها حتى لا تفقد شعبيتها أمام العدالة والتنمية.

جسر الحوار

وذلك يعني أن القاعدة الشعبية والسياسة للحزب أعطت قاعدة للسياسات التي يطبقها ومنحتها شرعية في مواجهة خصومه، يضاف إلى ذلك أن الحزب لم يستبدل سياساته بسياسات الأحزاب التي سبقته في الحكم بل بني عليها، فمثلا علاقة تركيا بإسرائيل لم تتأثر بل استطاعت تركيا أن تستثمر هذه العلاقة في سياستها الجديدة ، وهي أن تكون وسيطا بين الأطراف المتنازعة في الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما يتوافق مع سياستها الخاصة بأن تكون جسرا للحوار والتواصل بين الغرب والعالم الإسلامي وحماية المصالح الغربية.

فأوروبا ترى أن إنهاء هذا الصراع مرتبط بالأمن الأوروبي، وبالعديد من القضايا والتوترات التي تشهدها الدول الأوروبية، وتركيا باضلاعها في هذا الأمر كانت تعتقد أنها تقوم بمهمة ذات عدة ملفات منها الخاص بالعلاقة مع أوروبا ومنها الخاص بالدور المركزي في تفاعلات منطقة الشرق الأوسط ومنها الخاص بالعلاقات الثنائية بينها وبين إسرائيل وبين الدول العربية.

ومن هنا نفقهم الانفعال التركي الحاد إزاء إسرائيل بعد احداث غزة الأخيرة لأنها قضت على إمكانية النجاح التركي في هذه المهمة التي كانت تركيا تعول عليها كثيرا في الملفات السابق الإشارة إليها والتي كانت تؤكد أهليتها في أن التقارب مع أوروبا.

خالد السرجاني