تمثل الدولة التركية حالة خاصة بين العالمين العربي والغربي، وطوال قرون تنازعتها هذه التجاذبات على مستويي الجغرافيا والتاريخ وصولا إلى الهوية. في التاريخ القديم كانت القسطنطينية عاصمة العالم.وعندما فتحها المسلمون على يد محمد الفاتح، اعتبر المؤرخون الغربيون يوم سقوطها نهاية التاريخ، لأنها كانت لحظة فارقة في سقوط الحضارة المسيحية وصعود الإسلامية في أوروبا.
وكان أيضا سقوط الدولة العثمانية في القرن الماضي لحظة تاريخية فارقة بين الحضارتين، فبسقوطها انتهت الخلافة الاسلامية، في مقابل صعود مسيحي غربي حاول العودة إلى الأستانة(القسطنطينية)، وكأن ما جرى كان انتقاما تاريخيا.
منذ تأسيسها استطاعت الدولة العثمانية أن تحافظ على مكانة القسطنطينية عاصمة للعالم من واقع إسلاميتها، مثلما كانت من قلب مسيحيتها، ومنها حكموا العالم بأسره. ومنها أيضا عاد الإسلام إلى أوروبا على يد بني عثمان، بعد ان خبت دولته في الأندلس. كما وصلت جيوش الخلافة العثمانية في أوروبا إلى أبعد مما طمح عرب بلاط الشهداء.
كانت الدولة العثمانية هي مركز الخلافة الإسلامية منذ القرن الخامس عشر الميلادي لكنها لم تكن ككل مراكز الخلافة الاسلامية السابقة عليها، مثل خلافة السلف الصالح في المدينة أو مثل الخلافتين الأموية و العباسية. فقد كانت غارقة في الذاتية العثمانية، لم تنفتح على العرب بما يكفي، ولم تجعل من نشر العلم حالة عامة. ولم تشجع العلوم بالقدر الذي شجعه العرب.
ركزت اهتمامها عربيا في العلوم الدينية، وشغلت العرب بها، بينما فتحت أمام مدنها كل العلوم. ربما كانت اللغة حائلا، لأن العلوم تعثمنت أو تتركت، كما ارتبط انتشار الفقر والجهل والتخلف العربي بهذه الخلافة غير العربية.
كانت السمة العسكرية هي ما ميز العلاقة بين الخلافة العثمانية وغيرها من العرب أو الغرب. ربما لأن العثمانيين كانوا في الأصل أهل جبال ومحاربين، فجبلوا على القوة العسكرية. كانوا في ذلك أشبه بدولة اسبرطة القديمة، كما كانوا أقرب أيضا إلى النموذج الروماني المحارب الذي تربع في القسطنطينية قبل فتحها، واستمر موروثا مع الفاتحين الجدد.
وهؤلاء لم يكونوا من نوعية الفاتحين العرب الأوائل الذين قدموا الإسلام بحضارته وتعاليمه السمحة هدية للبشرية مع فتوحاتهم، فتعرب الناس وأسلموا. هذا ما لم تنجح فيه الخلافة العثمانية، فاستمرت بالقوة الخشنة أكثر منها بالقوة الناعمة.
هذه الروح الحائرة بين الشرق والغرب تحكم تركيا في العمق، لذا فان الانقسام سيظل يحكم المجتمع والدولة شدا وجذبا، واذا كانت أسهم تركيا بدأت تتجه إلى البورصة العربية، فذلك لايعني أنها حسمت أمرها مع الجغرافيا أو التاريخ، وإنما هي لحظة تأمل وتدبر قابلة للتغير. الفضل في ذلك للحركة الإسلامية التركية التي توجت نضالها بحكم حزب العدالة والتنمية، فهو الذي يقود هذا التحول الآن من واقع إيمانه وقناعته بالعمقين العربي والاسلامي.
الأمر لا يزال تحت الاختبار، ويحتاج من العرب جهودا عاجلة لاستعادة تركيا، بل اختطافها خطفا من الغرب، لتبقى رصيدا استراتيجيا لهم، وهو ما برهن عليه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال كافة مراحل الحرب على غزة. والطريق إلى ذلك لايتحقق الا بالتعاون الاقتصادي والثقافي ثم السياسي، فاستعادة تركيا تتطلب التعمق تحت الجلد إلى العظم، وهو أمر يمكن تحقيقه بجدية، لأن الساحة ممهدة الآن، فهل نفعل؟