في مثل هذا اليوم من عام 2005 استشهد رمز وطني من رموز الوطن اللبناني المبتلى بأن تعبث بأمنه أياد خفية لتحرمه من ميزته التي كانت معلما من معالم الأمة العربية، وهي ميزة الأمن والاستقرار والرخاء، بل وكان أيضا واحة الديمقراطية الوحيدة على الخريطة العربية. سقط السياسي الكبير رفيق الحريري بيد غادرة أرادت أن تعيث في أرض الأرز خرابا ودمارا حتى يتمزق الوطن ذو التركيبة الطائفية الفريدة التي ظلت متماسكة على مر العصور.

اغتيل الحريري في انفجار استهدف موكبه إثر مغادرته المجلس النيابي وسلوكه الطريق البحري للعاصمة بيروت، مما أدى إلى استشهاده مع سبعة من مرافقيه وعدد من المارّة، كما أُصيب العشرات بجروح. الانفجار نجم عن سيارة مفخخة في منطقة عين المريسة بالقرب من فندق سان جورج الفاخر مما اسفر عن خسائر مادية جسيمة في السيارات والمباني الموجودة في موقع الانفجار في منطقة تعج بالمؤسسات الاقتصادية ومن بينها فرع لبنك اتش اس بي سي البريطاني.

الراحل الكبير رفيق الحريري، تولى رئاسة خمس حكومات في لبنان منذ سنة 1992. أي معظم الفترة التي تلت انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1989، وكان احد ابرز الشخصيات التي لعبت دورا في التوصل لاتفاق الطائف الذي انهى تلك الحرب.

تبوأ منصب رئيس الوزراء أول مرة عندما عاد إلى لبنان عام1992 بعد 28 عاما من العيش والعمل في المملكة العربية السعودية. ألَّف حكومته الأولى في 22 أكتوبر 1992. وتحمَّل مسؤولية المساعدة في قيادة بلدٍ خرجَ للتو من حربٍ أهلية دامت 17 عاماً مع كلِّ ما خلَّفتهُ وراءها من دمار مادي واسع وتمزُّق اقتصادي وانقسام سياسي. ويشير موقع «تيار المستقبل» إلى دور الحريري في مرحلة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، حتى توقيع اتفاق الطائف.

فقد كان لشركته «أوجيه-لبنان»، دور ناشط في إزالة رُكام الأبنية المُحَطَّمة وفتح الشوارع والطُرُق المزروعة بأكياس الرمل والحجارة، مما مهَّد الطريق أمام عودة الحياة الطبيعية للعاصمة اللبنانية. وفي سنة 1984، شارك في اجتماعَي جينيف ولوزان لتحقيق المصالحة السياسية في لبنان.

وأسهم في الوساطة التي أثمرَت مبادراتٍ وضعت حداً للحرب الأهلية. وفي سنة 1989، كان الرئيس الحريري وراء التوصُّل إلى اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب وأدّى إلى صياغة دستور جديد للبنان. وتحوَّل هذا الاتفاقُ إلى ميثاقٍ سياسيٍّ أرسى مبادئ المصالحة الوطنية، التي تسود الحياة السياسية في لبنان اليوم.

أما بعد أن صار رئيساً للحكومة عام 1992، فقد قَبلَ التحدِّي. وحوَّل وجهةَ لبنان فوراً إلى حقبة ما بعد الحرب، وبدأ يبذل جهودا مكثَّفة نقَلت لبنان. وتحول الوطن في أقل من ست سنوات من بلدٍ يحملُ بصمات الحرب إلى موقع هائلٍ لعملية إعادة بناء محلية.

واعتبر الرئيسُ الحريري كلَّ شيء أولويةً عندما واجهَهُ سؤالٌ هو من أين تبدأ إعادة الأعمار: هل تبدأ من المدارس أو المستشفيات أو البنى التحتية أو الاقتصاد؟ وفي الوقت نفسه، ركَّزت الحكومة انتباهها على ضمان استقرار العملة الوطنية وإعادة إعمار البنية التحتية من خلال عودة الخدمات الأساسية في البلاد، مثل توفير المياه والكهرباء والهاتف، وتنظيف بيروت من مُخلَّفات الحرب.

وكان يرى في إحياء الاقتصاد جوهرَ الاستراتيجية التي يعتمدُها، وهو يعتبرُ جذبَ الاستثمارات الخارجية إلى لبنان مجدداً بعد طولِ انتظار دعامةً أساسيةً من دعائم البلد وفي ابريل 1993، أسَّس الحريري وزارةَ المهجَّرين لمساعدة آلاف الأشخاص الذين تركوا ديارهم عُنوةً أيامَ الحرب على العودة إلى مدنهم وقراهم.

وفي 25 يوليو من السنة نفسها، أمسَت البلادُ مسرحاً لعملياتِ قصفٍ استمرَّت سبعة أيام وطاولت المدنيين، فما كان من الرئيس الحريري إلا أن دعا إلى اجتماع عربي طارئ في دمشق، لحشد الدعم العربي للبنان. وعلى الرغم من هذه الأحداث، أطلق الرئيس الحريري في مايو 1994 مشروع إعادة إعمار الوسط التجاري في بيروت الذي أتَت عليه الحربُ.

وفي أول سبتمبر1996، أجريت انتخابات برلمانية، وأنتخب الحريري عضواً في مجلس النواب مع 13 مُرشَّحاً على لائحته الانتخابية، فشكَّل أولَ كتلة نيابية له. وفي نوفمبر 1996،شكل حكومته الثالثة على التوالي. وفي ظلها، أجريت في صيف 1998، أول انتخابات بلدية منذ أكثر من 35 سنة. وأعادت الحكومةُ فتح مطار بيروت الدولي، فاستطاعت فكَّ عزلة البلاد الدولية من خلال رفع حظر السفر الأميركي الذي كان مفروضاً.

وفي 23 أكتوبر 2000، اختيرَ الحريري لتشكيل حكومته الرابعة، بعد أن فازت كتلتُه النيابية بكل مقاعد بيروت في سبتمبر 2000. وحصل على دعم 106 نواب من أصل 128 عضواً لتأليف حكومته الخامسة.

وفي 20 أكتوبر 2004، قدَّم الراحل استقالة حكومته، معلناً اعتذاره عن عدم ترشيح نفسه لرئاسة حكومة جديدة.وبعد أقل من أربعة أشهر، سقط الحريري شهيدا والفاعل وإن كان رسميا مازال مجهولا، فالجاني بالتأكيد كل من يريد أن يرى لبنان ممزقا سابحا في برك من الدم.