بضربة واحدة ربما غير متعمدة.. أصبح رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان بطل العالم العربي وصوت الشارع العربي في غياب قيادة عربية تتمتع بمصداقية. هذا تعليق الكاتب التركي البارز وخبير شؤون الشرق الأوسط جنكيز كاندار على موقف الزعيم التركي تجاه إسرائيل وأحداث غزة التي لم تنته فصول مأساتها.
أردوغان يستحق بالفعل مكانة لائقة في عالمنا العربي، ليس لموقفه من جرائم إسرائيل وتصديه لرئيسها شيمون بيريز خلال منتدى دافوس، ولكن لأنه أيضا لم يجزئ الحق فيفصح عن جانب منه دون آخر، بل قال ما لم يجرؤ أحد في معظم الأجهزة القيادية والإعلامية العربية على قوله.
صحيح أننا أبدينا تعاطفنا مع غزة ونددنا بإسرائيل، ولكن كثيرين منا تعمد أن يوجه اللوم بل وأحيانا كل اللوم على المقاومة الفلسطينية. أما أردوغان فدافع عن حق الشعب في المقاومة وحق المقاومة في السلطة. وكرر ذلك مؤخرا في حديث جريء لصحيفة الواشنطن بوست، إذ ألقى باللوم على سياسة عزل حركة المقاومة واعتبرها سببا في التوترات الجارية في غزة.
ودعا إلى إشراك حماس في عملية السلام . وقال إنها خاضت الانتخابات كحزب سياسي ولو كان العالم كله قد أعطى الفرصة لهم ليصبحوا لاعبا سياسيا ربما لم يكونوا في موقف كهذا بعد الانتخابات التي فازوا بها. انتقد أيضا المجتمع الدولي لأنه لم يحترم الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني. فقال« يقولون من ناحية ، نحن ندافع عن الديمقراطية، لكن من الناحية الأخرى لا يحترمون نتيجة صندوق الاقتراع».
قال أردوغان قول الحق، في حين أن كثيرين في عالمنا العربي، ينظرون إلى المقاومة الفلسطينية على أنها عورة أو سبة في جبين الأمة لابد من الخلاص منها. وهذا واقع مؤلم نتعايش معه ومن ينفي ذلك ويدعي أن الأمة كلها خلف من يدافعون عن حق وطنهم المغتصب، ماكان أردوغان ينال هذه المكانة في قلوبنا.
كان موقفه سيكون مجرد موقف زعيم نزيه يستحق عليه الشكر والثناء وكفى. ولكن لأن ما قاله غائب عن ألسنة صفوة الأمة ونخبتها، فقد كان طبيعيا أن ينال ماناله من شعبية في الشارع العربي. أردوغان، استطاع أن يواجه أيضا اللوبي اليهودي ويصد سهام الافتراءات التي انهالت عليه. فوت الفرصة، بأن أعلن نبذ معاداة السامية كليا في بلاده، مؤكدا على الحفاظ على أمن الجالية اليهودية في بلاده ورعايتها، وأن انتقاداته لم تستهدف اليهود بل سياسات القادة الإسرائيليين.
قد يقول قائل إن تركيا قد تدفع ثمن مواقف أردوغان، ولكن الحقيقة أنه عزز مكانة بلاده في العالم كقوة أخلاقية مسؤولة، وأعاد التوازن إلى دور تركيا الدولي على المستوى العربي والإسلامي لتصبح لاعباً مؤثراً في المنطقة. الرأي العام التركي إلى جانبه والدليل خروج الجماهير فور عودته من دافوس لتؤكد أنه كان يعبر عن موقفها. ويقول الخبير التركي جنكيز كاندار: سينظر كثير من الأتراك وليس فقط حزب العدالة الذي ينتمي إليه على أنه رجل شرف تركيا، وسيقوي هذا صورته ومصداقيته داخليا.
أردوغان ليس مثل آخرين ممن يبحثون عن قشة يتعلقون بها ليبقوا في الحكم. إنه رجل رصيده وسلاحه هو الانجازات التي يلمسها المواطن التركي، ويكفي أن دخله قد تضاعف خلال حكمه. الرجل ماض في هدوء في تطبيق سياساته الداخلية والخارجية الناجحة، مؤكدا أنه ليس من حملة الشعارات التي تعيش عليها أمتنا البائسة ، بل ممن يحملون أمانة الحكم، ويطبقون ما يعدون به شعوبهم.
حسن صابر