بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، بدأت تركيا، الدولة الإسلامية الوحيدة العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو»، التي وقفت في خط المواجهة المباشرة، ضد موسكو، خلال عقود الحرب الباردة، عملية تقييم لدورها في ضوء موازين القوى الجديدة. ومنذ ذلك الوقت، أخذت تحدد دورها، وترسم سياستها الخارجية، انطلاقاً من قناعتها بأن لها دوراً مهماً في الاستقرار في منطقة القوقاز، ووسط آسيا، ومنطقة الشرق الأوسط، وفي الاستقرار العالمي عموماً.
وفي عملية إثبات دورها الجديد، خصوصاً في منطقة الشرق، ودخولها للعب دور مهم للمساهمة في حل قضاياها ومشاكل المنطقة، دخلت علاقة الشراكة والتحالف الاستراتيجي بينها وبين الولايات المتحدة منذ عقود طويلة، مرحلة جديدة. شهدت هبوطاً وصعوداً، وفتوراً وتوتراً أحياناً، لتباين وجهات النظر بين أنقرة وواشنطن، حيال الدور التركي الجديد، ورؤية كل منهما لحل المشاكل. وقد تجلى التباين بينهما، منذ وصول رئيس الوزراء التركي طيب رجب اردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة في الرابع عشر من مارس عام 2003، قبل أربعة أيام من غزو الولايات المتحدة للعراق.
وكان من أول قرارات أردوغان عدم السماح لواشنطن باستخدام تركيا لغزو العراق، مما أثار غضب واستياء واشنطن، التي فضلت كتمانه، وهي في أمس الحاجة لحشد كل تأييد تقدر عليه لغزوها العراق.
تحفظ واعتراض
وانطلاقاً منه، أخذت واشنطن تتحفظ حيناً، وتعترض وتعرقل أحياناً، الدور التركي الجديد، وعودة تركيا لمنطقة الشرق الأوسط، من باب المساعدة في حل قضاياها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي قررت الحكومة التركية، حسب قول المسؤولين فيها «ان تكون القضية الفلسطينية، في صلب أولويات السياسة الخارجية التركية، وانها تعتزم المضي في لعب الدور البناء والايجابي والحيوي للمساعدة في التوصل إلى حل عادل ودائم لها. وإن تركيا تعتقد بان موقعها يؤهلها لهذا الدور».
وتعتقد تركيا، وهي الدولة الإسلامية الأولى التي اعترفت بإسرائيل بعد إنشائها. ببضعة أشهر، ولا تزال تقيم معها علاقات دبلوماسية وتجارية وعسكرية، انها مؤهلة للقيام بدورها الجديد في المنطقة، وواثقة من أهمية دورها، لعدة أسباب: فبالإضافة إلى موقعها وأهميتها وثقلها الإقليمي، هناك التوجه الجديد لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي يقوم على التعاون والتشاور مع اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، وإشراكهم في السعي لايجاد حلول للمشاكل، خلافاً للنهج الذي اتبعته إدارة سلفه الرئيس جورج بوش.
ولاعتقاد تركيا، بأن الولايات المتحدة تدرك وتعترف بحقيقة أن لتركيا دور مهم في الاستقرار الإقليمي والعالمي، وان تجاهل هذه الحقيقة، سيلحق الضرر بعلاقة الشراكة الاستراتيجية بينهما. كما لا يخفي المسؤولون الأتراك أن شغل تركيا مقعد عضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي اعتباراً من بداية هذا العام، حتى نهاية العام المقبل. سيساعدها على تعزيز فعالية دورها في الإسهام لحل قضايا المنطقة؟!
موافقة واشنطن
وبرغم الحقائق والأسباب التي توردها أنقرة لتأكيد أهمية ومحورية دور تركيا الإقليمي، فان الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، تؤكد أنه لا يمكن أن يكون لتركيا دور مهم وفعال للإسهام في معالجة قضايا المنطقة وحلها، دون الرضا الأميركي، ودون الاتفاق بين واشنطن وأنقرة على مبادئ أساسية لذلك الدور، ودون رؤية مشتركة وتعاون في الجهود بينهما، حتى يكون ذلك الدور إيجابياً ومثمراً.
ويؤكد هذه الحقيقة، أن واشنطن رفضت دور الوساطة الذي عرضته أنقرة، للتوسط بينها وبين طهران، بعيداً عن محاولات عزل إيران ومعاقبتها اقتصادياً، وإنما من خلال إشراكها والحوار معها بشأن الاستقرار في المنطقة. وأكثر من ذلك تفاقم الخلاف بين واشنطن وأنقرة، بشأن إيران، عندما رفضت تركيا العمل بنظام العقوبات الذي فرضته الولايات المتحدة والأمم المتحدة على إيران، بل ذهبت تركيا أبعد من ذلك، بتعزيزها العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع إيران، خصوصاً في مجال الطاقة.
ثم كان عدم رضا واشنطن عن العلاقة التي بدأت تتوطد وتترسخ بين أنقرة ودمشق، بعد الزيارة الأولى التي قام بها أردوغان لدمشق عام 2004، والتزام تركيا الصمت وعدم التأييد للضغوط الدولية والإقليمية بقيادة واشنطن ضد سوريا في ربيع 2003 لكي تسحب قواتها من لبنان، مما أثار استياء واشنطن. وازدادت العلاقة توتراً بعد توطد التحالف بين سوريا وتركيا.
ثم كانت رعاية تركيا للمفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل والتي بدأت في ربيع العام الماضي، والتزمت واشنطن الصمت حيالها، لكنها في الحقيقة تحفظت عليها، بل لم تشجعها، مما يمكن القول إنها عارضتها، ولذلك لم تحرز تقدماً، ليفضي بها إلى الدخول في مرحلة المفاوضات المباشرة.
مواجهة دافوس
ثم جاءت المواجهة العاصفة بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز أثناء جلسة للمنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السويسري في التاسع والعشرين من الشهر الماضي. حيث انتقد أردوغان بشدة إسرائيل وقال إنها تتحمل مسؤولية المأساة والظلم الذي أوقعته في غزة وقتل المدنيين أثناء هجومها على قطاع غزة.
وقد عمق ما أعلنه في الجلسة، الخلاف مع واشنطن، وزاد الشرخ في علاقات أنقرة مع تل أبيب. وبدأ الشرخ، بعد ما رفض أردوغان دعوة من رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون لزيارة إسرائيل في عام 2004، وبدلاً من ذلك استقبل أردوغان في أنقرة وفداً من حركة حماس برئاسة خالد مشعل، أحد قيادي حماس المقيم في سوريا. وازداد الشرخ عندما رفض أردوغان لقاء ايهود أولمرت وزير العمل الإسرائيلي في يوليو عام 2004.
واعقب هذا الرفض بزيارة دمشق بعد ستة أشهر من رفضه لقاء أولمرت. ومن أسباب الشرخ في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب، فتحت الحكومة التركية بالتعاون مع حماس مكتباً للتعاون الاقتصادي والاجتماعي في أنقرة، وفتحت في غزة مكتباً لوكالة التنمية والتعاون التركية، ثم إصرار الحكومة التركية على التعامل مع حماس لا عزلها ومحاصرتها، مما أغضب واشنطن وتل أبيب معاً.
خلافات متراكمة
ويتضح أن رد الفعل الفوري والقوي ضد ما قاله أردوغان في المواجهة مع بيريس، لم يكن بسبب المواجهة فقط، وإنما يعود إلى سلسلة من الخلافات المتراكمة في وجهات النظر والرؤى بين واشنطن وأنقرة من جهة، وأنقرة وتل أبيب من جهة أخرى. حيث ارتفعت الأصوات في إسرائيل، من مسؤولين وغير مسؤولين تعلن أن دور تركيا كوسيط قد انتهى، وان العلاقات بين إسرائيل وتركيا ازدادت هشاشة وتوتراً، رغم التبادل التجاري بينهما الذي يصل إلى ثلاثة مليارات دولار، ورغم اتفاقية الدفاع بين البلدين.
ومع انه لم يصدر حتى الآن موقف رسمي عن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، التي لم تكمل الشهر من عمرها، بشأن العلاقة مع تركيا ودورها في معالجة قضايا منطقة الشرق الأوسط، ودورها الإقليمي والعالمي، كعضو في حلف «ناتو»، فان مقربين من الإدارة عبروا عن اعتقادهم، إن دور تركيا قد تأثر كثيراً، وانها بموقف رئيس وزرائها في منتدى دافوس وقبله في قضايا أخرى، تخاطر بفقدان عضويتها في حلف الناتو وانعزلت عن الغرب.
وتضاءل احتمال انضمامها للاتحاد الأوروبي. أما أكثر الأدلة المباشرة على عدم رضا إدارة أوباما عن موقف أردوغان في دافوس، ومواقف حكومته، فهو الذي تمثل في عدول المرشح الرئاسي الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشيل، عن زيارة تركيا التي كان مقرراً أن تشملها جولته، الأولى في المنطقة. وكان ذلك رسالة واضحة لأنقرة بعدم الرضا عما حدث من النقد الشديد الذي وجهه أردوغان لإسرائيل.
إصرار تركي
لكن أردوغان ومن معه من صناع القرار السياسي، يؤكدون أن تركيا ستواصل دورها الجديد، وسعيها للإسهام في حلول مشاكل منطقة الشرق الأوسط، وستواصل سعيها لتغير واشنطن موقفها من حركة حماس، وإشراكها لا عزلها ومحاصرتها. وفي هذا الاتجاه تعتزم تركيا طرح فكرة عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط في اسطنبول، على غرار مؤتمر مدريد الذي انعقد عام 1991 يتم فيه تجنب الخطأ الذي وقع في مدريد، حيث تم استثناء إيران من المشاركة فيه.
وأن تشارك في المؤتمر المقترح إيران وتركيا والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة بالإضافة إلى أطراف الصراع. وتعتقد الحكومة التركية، أن رعايتها للمفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، مهد الطريق للمؤتمر، رغم العقبات من جهات عدة.
ولا يقتصر الدور الذي تريده تركيا لنفسها على المشاركة في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وإنما يشمل دورها وانخراطها المتزايد في العراق وسوريا وإيران ولبنان. ففي العراق ترى لها دوراً أساسياً في عراق ما بعد الإنسحاب الأميركي.
وإصرارها على أن الوجود العسكري الأميركي على المدى الطويل في العراق، ومهما كان حجمه يجب ألا يشكل تهديداً لها ولجيران العراق. وان الوجود العسكري الأميركي في الشمال العراقي يشكل مصدر قلق كبيراً لها، علاوة على الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة بشأن المسألة الكردية.
غير أن ما تريده تركيا من دور لها في شؤون وقضايا المنطقة واستقرار، لا يعتمد على الرغبة التركية فقط، وإنما على مواقف وأدوار الأطراف الآخرين وتعاونهم، إقليميين ودوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. ومن هنا تجدر مراقبة تطور الأحداث خلال الأشهر المقبلة، ورؤية ما إذا كانت تسير نحو رؤية مشتركة وتعاون بين واشنطن وأنقرة، أم العكس.
ولعل هناك مؤشر في الحملة التي ستعيد خلالها نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأميركي خلال الأسابيع المقبلة طرح مشروع قانون «إبادة الأرمن» على يد الأتراك خلال الحرب العالمية الأولى، في الكونغرس الأميركي.
حيث سيؤيد اليهود الأميركيون والمؤيدون لإسرائيل في الكونغرس وخارجه إقرار المشروع، بينما منعوا إقراره العام الماضي.. لعل في هذا مؤشر على الاتجاه نحو زيادة التوتر في العلاقة بين واشنطن وأنقرة، مما ينعكس سلباً على مجمل القضايا التي تعنيان بها. وعلى الدور الذي تسعى تركيا للقيام به.
محمد صادق