تكشف انتخابات المحافظات العراقية، ونتائجها المعلنة، عدة حقائق أساسية، في مقدمتها ان الانتخابات جرت «من طرف واحد»، يتمثل بالقوى التي تشارك في ما تسمى «العملية السياسية»، وعلى وفق قانوني الاجتثاث والإرهاب، اللذين يصنفان كل من يناهض الاحتلال، أو يوجه له انتقادات مباشرة بأنه إرهابي أو محرض على الإرهاب، ما يستوجب الاعتقال والمحاكمة.
وشتى أنواع المحاربة، إن لم يكن التصفية، ومن ينتقد السياسات الحكومية بأنه من المشمولين ب«اجتثاث البعث»، أي أن التنافس الانتخابي جرى بين أطراف العملية السياسية، التي رسمت الإدارة الأميركية خطوطها، في العموميات والتفاصيل، بما في ذلك جعل العراق ساحة للتناحر والاقتتال، أو التهدئة، على وفق السياقات التجريبية، عدا بعض الاستثناءات.
والحقيقة الأخرى إن هذه الانتخابات جرت داخل معتقلات كبيرة، جراء تقسيم مناطق معظم المدن العراقية، وعزلها عن بعضها بالجدران الإسمنتية، وجعلها على شكل «كانتونات»، أفرغت من الكثير من سكانها، الذين هاجر أو هجّر أكثر من أربعة ملايين منهم إلى الخارج، وحرموا من المشاركة في الانتخابات.
ولعل الحقيقة الأخرى الأكثر بروزا، هي اعتراف الاحتلال والحكومة وكل القوى «السياسية» بالفشل الذريع في إدارة البلاد، طوال ما يقرب من ست سنوات مضت، ولحد الآن، ما اقتضى التنصل عن النهج الطائفي حتى من مريديه، الذين غيّروا جلابيبهم، وأطروحاتهم، بالاتجاه المعاكس تماما.
نبذ التوجه الطائفي
ولاحظ المراقبون أنّ العملية الانتخابية، لا تزال محصورة داخل الإطار العام الذي ظهر بعد غزو عام 2003، مع بعض التغييرات الشكلية التي أوجبتها المرحلة الراهنة، بما يشبهه البعض بأنه «نبيذ قديم... في زجاجات جديدة».
ومع ذلك، ينبّه البعض إلى خطر تصنيف كل من يشارك في هذه «العملية السياسية»، بأنه من ضمن المدفوعين من قبل الإرادات الخارجية، لأن هناك من «يجتهد» في استخدام الطريقة التي يعتبرها «مصلحة عامة»، أو ما يصطلح عليه بعض الفقهاء بأخذ «أهون الضررين».
ومما يلفت النظر في هذه الانتخابات الحالية هو أن القاعدة العامة في الشارع العراقي اتجهت ابتعدت الميل إلى التوجه الطائفي، الذي أصبح شبه منبوذ عند الغالبية العظمى، حتى إنّ رموز الطائفية والمذهبية في مرحلة ما بعد 2003، عمدوا إلى تغيير شعاراتهم، وادّعاء العلمانية والليبرالية.
وبما أنّ الحرب الأهلية الطائفية بلغت ذروتها في نهايات فترة حكومة إبراهيم الجعفري، وبدايات فترة حكومة نوري المالكي، فإن الأول بات يقدم نفسه على أنه «ديمقراطي»، ضمن تيار «الإصلاح الوطني» الذي أسسه بعدما كان رئيساً لـ «الدعوة الإسلامية» الحاكم، والثاني بات شعاره «العلمانية» و»دولة القانون»، على الرغم من أن «الدعوة» هو حزب ديني طائفي.
وعلى هذا الأساس، دخل المالكي الانتخابات، وفاز، تحت مسمّى «ائتلاف دولة القانون». وهذه الظاهرة أصبحت عامة، وغير محصورة بالمالكي أو الجعفري أو طارق الهاشمي، أو أي من السياسيين غيرهم، لأنها ناتجة من الفشل الكارثي للسياسات الطائفية التي أوجدها وغذّاها الاحتلال، ليكتشف فيما بعد أنه لعِب الورقة غير الرابحة، وأن حكم البلاد لن ينجح بهذه الطريقة القبيحة التي لم تسفر إلا عن «حكم عصابات»، على حدّ وصف المالكي نفسه، بدلاً من «الديمقراطية» التي دُمّر البلد فداءً لها.
خلط الأوراق وتفريقها
وفي دورتَي الانتخابات عام 2005، خاضت الأحزاب الشيعية الأساسية الانتخابات النيابية العامة، ضمن قائمة «الائتلاف العراقي الموحّد»، لذلك لم يكن بالإمكان معرفة الشعبية النسبية لكل حزب منفصل، ما أوجد صراعات داخلية حول الاستحقاقات من المناصب، أدت بالنتيجة إلى تفكك الائتلاف. وأمام هذا الواقع، خاضت الأحزاب الشيعية الانتخابات الأخيرة بلوائح منفصلة، لتكتشف قدرتها الحقيقية على الاستقطاب السياسي والشعبي، بعد أن ضمت إليها بعض العناصر المستقلة، أو المتحالفة مع قوى علمانية، وغيرت شعاراتها وأهدافها.
فالمالكي، على سبيل المثال، خاض الانتخابات بتحالف يضم سبع قوى في 13 محافظة، من أصل 14 يشملها الاستحقاق، بقائمة «ائتلاف دولة القانون»، وهذه القوى هي: «الدعوة الإسلامية»، وتجمع «مستقلون»، وحزب «الدعوة الإسلامية ـ تنظيم العراق»، و«التضامن»، و«الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق»، و«حركة الإخاء الكردي الفيلي»، و«كتلة الانتفاضة العراقية الشعبانية ـ1991».
والغريب في هذا التحالف أن بعض أطرافه دخلت ضمن تشكيلات علمانية في بعض المحافظات، وخصوصاً في محافظة البصرة، التي شاركت فيها كتلة «الانتفاضة الشعبانية» كمكوّن من «التجمع الوطني»، الذي يضم الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الشيوعي العراقي، وحركة الاشتراكيين العرب، ومنظمات المجتمع المدني.
بينما شذّ «المجلس الأعلى الإسلامي»، بزعامة عبد العزيز الحكيم، عن القاعدة، بخوضه الانتخابات بشعارات طائفية واضحة، تحت اسم «ائتلاف شهيد المحراب»، الذي يضم 5 كيانات شيعية هي: «المجلس»، و«منظمة بدر»، و«مستقلون»، و«منظمة شهيد المحراب» و«حزب الله».
مكونات الشارع السني
وفي الشارع السني، وخصوصاً في الأنبار، اختلفت المكوّنات بشأن التحالف مع «الحزب الإسلامي»، أقوى أحزاب العرب السنة من ناحية نيله حصّة الأسد من جبنة المناصب الرسمية تحت ظل الاحتلال.
أمام هذه الوقائع، انفرد «مجلس إنقاذ الأنبار»، برئاسة حميد الهايس الذي ينتمي إلى حزب «المؤتمر الوطني» بزعامة أحمد ألجلبي، بالتضامن مع العشائر الموالية له، بعيداً عن «مجلس صحوة العراق» بقيادة أحمد أبو ريشة، الذي تحالف مع كتلة «المشروع الوطني» برئاسة صالح المطلك ومحمود المشهداني وخلف العليان، بينما تحالف «الإسلامي» مع تجمع عشائر العراق. وبالمقابل لم يستفد الليبراليّون من المعطيات الجديدة ، واستثمار الفشل الذريع، والاعتراف به، من قبل القوى الدينية والطائفية التي أدارت خراب البلاد طوال السنوات الماضية.
ويكفي التذكير بأنّ الإدارة الطائفية والعرقية وضعت البلاد في أسفل سلّم الفساد في العالم، بحيث أصبحت مصطلحات «التوجهات الدينية» بالنسبة إلى معظم العراقيين، مرادفة لـ «اللصوصية» والارتهان للاحتلال.
إلا أن «البديل الليبرالي» لا يزال غائباً، بسبب تشتت الكيانات، وبروز كتل كثيرة تحمل شعارات الليبرالية والديمقراطية، إضافة إلى الأعداد الهائلة من المرشحين «المستقلين»، الذين يطرحون الأهداف والوعود الانتخابية نفسها.
وفي هذا الاتجاه تبرز نقطتان جوهريتان فقط، اولاهما فوز قائمة «الحدباء» ذات التوجه القومي بالأغلبية في نينوى، كرد فعل على توجهات القيادات الكردية، والثانية فوز يوسف ألحبوبي بالمرتبة الأولى في محافظة كربلاء، وهو من الشخصيات الإدارية المعروفة في العهد السابق.
لماذا فاز المالكي؟
ومع غياب «البديل الليبرالي»، أو بالأحرى تشتته، قد يندهش البعض لما لاحظه وطرحه بعض المتابعين للشأن العراقي، بأن «زجاجة الخمر» هي التي رجحت كفة بعض الفائزين، في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، على الرغم من أن هذه هي الحقيقة، إلى جانب عوامل أخرى لا ينكر تأثيرها.
وهذا الطرح يذكّر بمقولة شهيرة للشاعر العراقي الراحل حسين مردان: «إذا أردت إسقاط أية حكومة في العراق، فدعها تمنع المشروبات الكحولية!». وسواء كان المالكي أراد ذلك، أم فرض عليه، فان سماح حكومته «الإسلامية» ببيع الخمور علنا، اكسبه شعبية كبيرة في صفوف العراقيين.
ومنهم الذين لا يتناولون الكحوليات، أو حتى يعتبرونها من المحرمات، لأنهم اعتبروا ذلك مؤشرا لتخلي السلطات الحاكمة عن مشروع «الدولة الإسلامية»، وقرفهم من سلوكيات الأحزاب والجماعات الدينية المتطرفة، التي كانت لها محاكمها الخاصة، غير المنضبطة، وإصدارها وتنفيذها أحكاما «شرعية»، خارج إطار المؤسسات الحكومية، ولكن بموافقتها غالبا.
واعتبر الكثير من الساسة، ومن ضمنهم قياديون في حزب الدعوة الذي يرأسه المالكي، بأن البعض يتجاوزون على الثوابت الشرعية والقانونية، من خلال انتفاضهم على «المحرمات» التي تفنن الساسة الدينيون في ابتكار المزيد منها. وترجع «انتفاضة زجاجة الخمر»، إلى الأشهر الأولى من سنة 2007، خلال الحملة الأمنية «صولة الفرسان» في البصرة، وبعض مناطق بغداد، ثم تلتها محافظات في وسط وجنوب العراق.
فسحة من الحريات
وعلى الرغم من أن «صولة الفرسان» استهدفت بالأساس الجناح العسكري للتيار الصدري «جيش المهدي»، من الناحية السياسية، إلا أن الشعار الذي كان مطروحا آنذاك هو «محاربة الخارجين على القانون»، وهذا يشمل إلغاء محاكم الأحزاب الدينية كافة، إضافة إلى إعطاء فسحة من الحريات الشخصية التي كفلها الدستور «غير المكتمل»، ما أتاح الفرصة إلى العودة العلنية لبيع المشروبات، والسماح بفتح محال الأغاني والفرق الموسيقية الشعبية، وإطلاق جملة من الفنون التي اعتاد العراقيون عليها.. أي إعطاء فسحة من الحرية، المقموعة من التيارات الدينية السياسية.
وفي بعض «الحانات» التي افتتحت في البصرة، ثم في بغداد ومحافظات أخرى، كان هناك بين الشاربين من يرفع كأسه عاليا، ويدعو الحاضرين مناديا بأعلى صوته، لتناول «نخب الحكومة». وقد احتج بعض قادة حزب الدعوة، إلى جانب تيارات أخرى، على هذا «النهج الجديد»، كونه خروجا على الدستور، الذي نص على أن التشريع يجب أن لا يتعارض مع الدين الإسلامي، وطالبوا بمعاقبة المروجين للاغاني والمشروبات، وفق القانون، كما اصدر محافظ البصرة قرارا بالمنع وتطبيق القانون بحق المخالفين.
إلا أن القانون العراقي، ساري المفعول، لا توجد فيه أية مادة تشير إلى منع تداول وتناول المشروبات، باستثناء تعليمات منذ العهد الملكي تمنع فتح محال للمشروبات الكحولية قرب دور العبادة الإسلامية، ولمسافة 100 متر.
ويبدو أن «زجاجة الخمر» كانت أعلى من كل تلك الأصوات.. ومعظمها خفتت أو صمتت أمام واقع جديد، أصبحت فيه التيارات الدينية السياسية هي المدانة بخرق القانون والدستور من خلال العديد من الممارسات الشاذة، التي حاولت فرضها على المجتمع العراقي، إضافة إلى إدراكها بان «التوجه العام» يميل إلى مرحلة جديدة، دعت الكثيرين إلى «خلع الرداء الديني»، كما فعل المالكي، بإرادته أو بغير إرادته، ليصعد «نخبه» في الحانات.
على أن ظاهرة «انتفاضة الخمر»، التي أطاحت بالتيارات الدينية، لم تكن سوى شرارة أولى، أو مؤشر بالغ الأهمية، على هشاشة التيارات الدينية والطائفية، التي سرعان ما تنصلت عن مشروع الدولة الدينية، واتجهت إلى التطلع نحو «دولة القانون»، حسب اتجاه الرياح. وحسب المطلعين على الشأن العراقي، إن ما ساعد على «انتفاضة الخمر»، هو أن كثيرين من أنصار ومؤيدي الأحزاب والتيارات الدينية، يقولون بتحريم المشروبات الكحولية، التي يتداولونها أو يتناولونها أكثر من غيرهم.
استهداف ميليشيات بدر
إلا أن «انتفاضة الخمر»، التي أعطت للمالكي أصواتا، تحمل في طياتها مدلولات أخرى، في مقدمتها تصفية التيارات الدينية المتطرفة. وإذا كانت «صولة الفرسان»، أدت إلى ضرب جيش المهدي، الذي آثر التيار الصدري تحويله إلى تنظيم مدني، تمت بدعم من القوات الأميركية وقوات المجلس الأعلى الإسلامي، ومنظمة بدر، المتغلغلة في الأجهزة الأمنية، وخاصة في الشرطة وقوات المحافظات، فإن ما كان متوقعا آنذاك، هو أن تدور الدائرة على التكوينات العسكرية وشبه العسكرية للمجلس الأعلى الإسلامي، الذي كان يراهن على عدم امتلاك حزب الدعوة قوة سياسية فعالة.
وحسب توقعات المراقبين إن المرحلة المقبلة، التي انحسرت فيها قوة المجلس الأعلى في مجالس المحافظات، ستشهد «صولة» أو «صولات» جديدة لتنقية الشرطة العامة وشرطة المحافظات من ميليشيات المجلس الإسلامي.
إضافة إلى ما أعلنه المالكي والقوى السياسية الأخرى عن ضرورة «صولات جديدة» لمحاربة الفساد الإداري والمفسدين، ومحاسبة مجالس المحافظات المنتهية صلاحيتها عن تبديد أموال الدولة، وميزانيات المحافظات «الضخمة» في مشاريع وهمية، أدت إلى نقمة منقطعة النظير على مجمل الوضع الذي يعيشه العراق والعراقيون.
بغداد ـ عراق احمد