هل نسي العالم باتريس لومومبا؟ هل نسيه الشعب الكونغولي،؟ هل نسيته شعوب أفريقيا؟ هل يمكن أن ينسى بطل من أبطال الحرية من نوع ومثال ونموذج باتريس لومومبا؟

لقد رحل هذا الزعيم الوطني الكونغولي الكبير قبل ثمانية وأربعين عاماً. رحل شهيداً على يد جلاديه وجلادي شعوب أفريقيا، القدامى والجدد. وبعض جلادي الشعوب الأفريقية هم مرتزقة أفريقيون سود، عملاء للمستعمرين البيض، وللمعمرين البيض، الذين دخلوا إلى القارة للبحث عن الثروة. فاستغلوها، واستغلوا معها شعوب القارة بأبشع الأشكال.

قد يكون مبرراً، بمعنى ما، بعد ثمانية وأربعين عاماً من رحيل هذا القائد الأفريقي الكبير، أن يغيب اسمه من التداول. فالمشاكل والاضطرابات و«الثورات»، و«الثورات المضادة»، والنزاعات القبلية، القديم منها الباقي من التاريخ، والجديد المستولد والمستورد من الخارج، التي ازدحمت، لكثرتها، إلى حد التخمة في الكونغو، جميع هذه الأحداث هي التي جعلت الشعب الكونغولي ينشغل بحاضره، وينسى تاريخه. ومع ذلك فإن من الظلم الحقيقي أن يغيب اسم لومومبا طوال هذه الأعوام والعقود. وهو الزعيم الوطني، الأول من نوعه ونموذجه، الذي يقدم حياته في الكفاح بلا هوادة من أجل حرية أفريقيا، وتحريرها من نير مستعمريها القدامى والجدد.

قبل تجربة لومومبا في الكونغو، التي انتهت بانتصاره ثم باستشهاده، لم تنجح الحركات الوطنية في أفريقيا في تحقيق أهدافها في الحرية. لكن استشهاده خلق شروطاً جديدة هيأت لحركات وطنية في بلدان أفريقية مجاورة، بقيادة زعماء وطنيين كبار، لانتزاع استقلالها النسبي، ولتحقيق قدر كبير من حريتها. كان ذلك في كينيا، بقيادة جومو كينياتا زعيم حركة الماوماو، وفي غانا بزعامة كوامي نكروما المنظر لنهضة أفريقيا في كتبه العديدة، التي صدرت في أعقاب تسلمه رئاسة غانا لسنوات عديدة.

لكن القارة السوداء لا تزال، برغم كثرة الانتصارات التي حققتها الحركات الوطنية الاستقلالية فيها، أسيرة نزاعات، بعضها باق من التاريخ القديم، وأكثرها هو وليد التدخلات الخارجية، التي يستند فيها المتدخلون إلى التخلف المزمن في القارة، وإلى الفقر، وإلى كثرة النزاعات القبلية القديمة.

يعتبر الكونغو، الذي تعددت أسماء جمهوريته (الكونغو، زائير، جمهورية الكونغو الديمقراطية الخ..) واحداً من أغنى بلدان أفريقيا بالثروات من كل الأنواع. وهو كان، ولا يزال، موضوع صراع حول ثرواته من قبل قوى خارجية وشركات عالمية، صراع تستخدم فيه التناقضات بين القبائل، التي لم تستطع أن تدخل في العالم الجديد، وتتخلى عن صراعاتها القبلية. وأدى تخلفها هذا إلى إبقاء بلدانها مسرحاً للاضطرابات ولصراع الآخرين حولها وحول مصائرها.