تكشف وقائع معركة الاستحواذ على العقل العربي والتي توالت فصولها على مدى السنوات الماضية وتكثفت عملياتها خلال الحرب الأخيرة على غزة عن نجاح خطط «حرب الأفكار» التي جرى التخطيط لها فيما بعد أحداث سبتمبر على النحو الذي تبين من خلال تقارير وسياسات عديدة أبرزها هنا تقرير مؤسسة «راند».
وإذا كان التقرير المذكور يركز على استهداف بناء شبكات إسلامية معتدلة، على طريق تجاوز حالة الصدام المفترضة بين العالم الإسلامي والغرب، فإن الطريق إلى ذلك يتم بشكل أساسي عن طريق بناء شبكات إعلامية معتدلة من أجل صياغة مواقف العرب تجاه قضايا الصراع ككل بما فيها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو العربي الإسرائيلي بمعنى أصح.
وينطلق التقرير من أنه يمكن للشبكات المعتدلة أيا كانت إسلامية أم إعلامية أن تلعب دورا لجهة تطويع المواقف في العالمين العربي والإسلامي على النحو الذي يتوافق مع التوجهات الأميركية. وبما أن أفرادا مثل هؤلاء ـ المعتدلين ـ قد يفتقرون إلى الموارد التي تمكنهم من أنشاء مثل هذه الشبكات فإن إنشاءها قد يتطلب محفزا خارجيا الأمر الذي يعول التقرير آمالا بشأنه على الولايات المتحدة بما تملكه من خبرة واسعة تعود إلى الحرب الباردة في رعاية الشبكات التي تضم أشخاصا ملتزمين بالأفكار الحرة والديمقراطية، على نحو يوفر لها دورا حاسما لتهيئة الساحة أمام المعتدلين.
على الصعيد الإعلامي كلنا يعرف عن أذيال الخيبة التي جرتها وراءها قناة «الحرة» وإذاعة «سوا» في لعب دور فعال في هذا الصدد رغم التكلفة الكبيرة التي تمت على خلفية إنشائهما، وهو ما عزز هدف إنشاء شبكة بديلة بواجهة عربية. في هذا الخصوص كانت توصية التقرير بالتركيز مبدئيا على مجموعة أساسية من شركاء يعول عليهم وأصحاب توجه أيديولوجي معروف.
وعلى ذلك كان من الطبيعي كذلك أن يحدد التقرير الشركاء بأنهم يشملون المثقفين والمفكرين الليبراليين والعلمانيين والصحافيين والكتاب المعتدلين، مع التوصية ـ هكذا دون مواربة ـ بأن يتم ضمان البروز والظهور لهؤلاء وأن يتم شمولهم ببعض الزيارات التي تتم إلى الكونجرس وجعلهم معروفين لدى صانعي السياسة ومساعدتهم على المحافظة على الدعم والموارد الأميركية التي تمنح لمساعي الدبلوماسية العامة، باعتبار أن دعم الإعلام المعتدل ـ حسب التقرير ـ أمر بالغ الأهمية في إطار حرب كسب قلوب وعقول العرب والمسلمين.
على أرض الواقع كشفت الحرب على غزة، عن مخاز ومواقف يندى لها الجبين من قبل بعض «المعتدلين» المصنوعين أميركيا وإسرائيليا كذلك، الأمر الذي يمكن، حال النظرة المتأنية له أن يكشف لنا عما نسميه مثلث اعتدال إعلامي ـ الاعتدال مفهوم مضلل على شاكلة وصف جدار الفصل العنصري بالحائط الأمني ـ متشعب ومنتشر بانتشار رقعة الأرض العربية وغير العربية .. تحسب أفراده شتى وقلوبهم جميعا، إذا نجح فرع له بالمشرق هلل له نصيره في المغرب، وإذا أصابت وعكة زاوية من زواياه تداعت لها بقية الزوايا بالسهر والحمى..
مثلث يقوم عمله ليس على التبادل الإعلامي وإنما على التشارك الإعلامي في نوع من الإلحاح على القارئ والمشاهد لتغيير قناعاته وأفكاره.. مثلث يحظى برعاية وخصوصية تعمل على جعله الأول في سماء إعلامنا العربي .. دعايته الأساسية تقوم على «المهنية» على نحو يذكرنا بالمقولة المبتذلة للممثل المصري الراحل توفيق الدقن في إحدى عبارتيه اللتين ميزتا أداءه في أفلامه. ذلك هو الجانب الجديد من المأساة الذي ينبغي الالتفات إليه والذي يجعلنا نصف الحرب على غزة عن حق بأنها أزمة كاشفة على كافة المستويات!
