الخلاف بين حركتي فتح وحماس هو نموذج مثالي للخلاف الوطني المركب، فهو قائم على أسس متعددة موضوعيا وذاتيا. فمن الناحية الموضوعية يوجد بين الطرفين خلاف عقائدي سياسي إلى حد التناقض الاستراتيجي. ومن الناحية الذاتية يمثل الخلاف بين الحركتين خلافا بين جيلين وصل إلى حد التقاتل.
على المستوى الموضوعي تتبنى فتح نهجا وطنيا علمانيا، فتاريخيا نشأت في جو عربي اعتمد النهج القومي فكريا، أما حماس فتتبنى نهجا إسلاميا. وجاء هبوط فتح متزامنا مع تراجع المشروع القومي العربي، مفسحا الطريق لحماس التي ارتبط نهوضها بالصعود الإسلامي بديلا عن المشروع القومي. وبينما ارتبطت حماس بحركة الإخوان المسلمين فكريا وشعبيا، فإن فتح ظلت جامدة في ارتباطها بالحكومات العربية.
وكان في تغير توجهات الأنظمة التي ارتبطت بها انتقاصا من رصيدها وقدراتها، حين اتجهت إلى الصلح مع إسرائيل، حيث أجبرت على السير معهم في نفس الاتجاه. أما حماس فقد آثرت التزام المقاومة، وفي ذلك حرصت على روابط عربية وإسلامية تدعم خيارها، لذا لم يكن عفويا ولا مستغربا أن ترتبط بعلاقات قوية مع سوريا ومع إيران، فيما كانت الدول العربية المتصالحة مع إسرائيل بالنسبة لها عبئا استراتيجيا. وهو ما تبدى في كثير من الأزمات، ومنها الحرب الأخيرة عل غزة.
وكانت نشأة وتطور كل من فتح وحماس تعبيرا عن أزمة عربية وفلسطينية، لعبت فيها الجغرافيا الفلسطينية والعربية دورها، ففتح مثلت تمردا على ما رآه بعض الشباب الفلسطيني في شتات الستينيات نوعا من التخاذل والعجز الرسمي، لذا كانت الكويت أولى محطاتها. أما حماس فنبتت من الداخل الفلسطيني، وجاءت هي أيضاً نوعا من التمرد على العجزين الفلسطيني والعربي، بعد حرب لبنان عام 1982، إذ تمخضت الحرب عن خروج فتح وفصائل المقاومة الفلسطينية من بيروت إلى شتات عربي جديد، وبذلك حدث ابتعاد عن التماس المقاوم مع العدو الإسرائيلي. وجاءت انطلاقة حماس من قلب الانتفاضة الأولى لتعيد تماس المقاومة الفلسطينية مع العدو من أقرب نقطة إليه، وهي أرض فلسطين.
وعلى المستوى التاريخي يمثل قادة فتح الجيل الأول من المقاومة، فيما يمثل قادة حماس الجيل الثاني، لذا فمن الطبيعي أن يكون لكل جيل رؤيته المختلفة، وربما المناقضة للجيل الأول، ومن الطبيعي أيضاً أن يتكلم كل فريق لغة مختلفة، لكن غير الطبيعي هو أن تختلف الأولويات إلى حد التناقض. ففتح طلقت المقاومة بالثلاثة منذ أوسلو، بينما تتمسك حماس بها وتعض عليها.
والمشكلة الأعقد بين الطرفين أن كلا منهما يتوهم انه سلطة حقيقة، ويريدها لتحقيق مشروعاته ومشروعيته، وهذا هو الكمين الذي سقط فيه الطرفان بتدبير إسرائيلي عربي غربي. ففتح تعتقد أنها الأحق لأنها من أوجدت هذه السلطة، أما حماس فترى أنها أحق انطلاقا من صندوق الانتخاب الذي فضلها على فتح، وأنها تريد السلطة غطاء فلسطينيا شرعيا للمقاومة.
الحركتان حتى الآن لم تتفقا على طريق ثالث، واذا بقيتا على هذا الحال فإن الأزمات الفلسطينية مرشحة للاستمرار والتعقيد بين الدروب العربية، فالعرب انقسموا بدورهم واصطف بعضهم وراء هذه وتلك. ومن أجل الخروج من هذا الانقسام طرح الأسرى فيما مضى، وبعض المثقفين الفلسطينيين مؤخرا، وعلى رأسهم الدكتورة حنان عشراوي طريقا ثالثا يحقق لكل من الطرفين مقاصده، لكن حتى الآن لم يتم الالتفات إلى أي من الطرحين في زحمة التجاذبات العربية والدولية، على الرغم من أهمية أن يكون الحل فلسطينيا، مادام الخلاف فلسطينيا في البدء والمنتهى.