اتخذت الحكومة المغربية حزمة من التدابير والإجراءات الاقتصادية والمالية للنهوض بالطبقة الوسطى ودعم المكانة المؤثرة لها كرافعة للتنمية، فضلاً عن دورها الفعال في تحريك عجلة التطور والتغيير وضمان استقرار المجتمع ونظامه السياسي.
وجاء الاهتمام بالطبقة الوسطى من أعلى سلطة في البلاد، حين شدد الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة عيد العرش الأخير على العناية بأوضاع الفئات المعوزة، وتمكينها من أسباب المواطنة الكريمة، بعدما تعرضت الطبقة الوسطى في المغرب كما في كثير من دول العالم إلى مشكلات جدية باتت تهدد وجودها، وتنذر باحتمال تآكلها وتراجعها إن لم يكن اختفاؤها تماماً.
وكان العاهل المغربي أطلق من قبل ما أسماه «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية» لمعالجة المعضلة الاجتماعية التي اعتبرها التحدي الأكبر لتحقيق المشروع المجتمعي التنموي، وهي المبادرة التي توجهت إلى مئات القرى وأحياء الصفيح المحيطة بالمدن التي تتجلى فيها المظاهر الصارخة للفقر والبطالة بهدف تأهيلها، وتوسيع دائرة الاستفادة من الخدمات المتوفرة أمامها.
وفي هذا السياق، جرى تخصيص نحو 5 مليارات دولار لتحسين الأجور والحفاظ على القدرة الشرائية بما في ذلك دعم المواد الأساسية، إلى جانب رفع مخصصات الخدمات الاجتماعية ضمن الميزانية العامة للدولة بما من شأنه الدخول في عهد جديد من الإصلاحات المتعلقة بالتعليم والصحة والإسكان وتنظيم الأسرة.
آليات التنفيذ
وترتكز آليات تنفيذ الخطط الحكومية للنهوض بالطبقة الوسطى وتحديثها على «مؤشر الغنى أو الثراء» الذي اعتمد على أساس دراستين ميدانيتين جرت الأولى عام 2004 وشملت 12 ألف أسرة، فيما جرت الثانية في 2007 وشملت 8 آلاف أسرة، للتمييز بين مستويات مختلف الشرائح الاجتماعية ـ اقتصادية في المغرب. كما تسعى للاستفادة من التجربة التي سلكتها تونس منذ الاستقلال حتى أصبحت طبقتها المتوسطة تمثل 80 % من عدد السكان، إلى جانب تجارب عربية أخرى متميزة.
طبيعة الطبقة الوسطى
يرى خبراء أنه من الصعب إعطاء تعريف للطبقة الوسطى وملامحها الخاصة التي تنفرد بها وتميزها بوضوح وبشكل قاطع عن غيرها، وذلك راجع إلى كثرة الفئات التي أصبحت تدخل في تكوينها. فمعيار الدخل المادي وحده غير كاف لتحديد الطبقة، اذ يجب الأخذ بعين الاعتبار التنشئة والسلوك الاجتماعي والأساليب المتبعة لبلوغ الأهداف وغير ذلك من الاعتبارات المتعلقة بنسق القيم والمستوى التعليمي ونوعية السكن ومنطقة الإقامة وممارسة المهن والأنشطة التي تعتمد على المجهود الذهني وليس الجهد العضلي والبدني وشبكة العلاقات الاجتماعية كعوامل محددة للطبقة، فالطبقة الوسطى تقع بين طبقتين مختلفتين كل الاختلاف وهما الطبقة الدنيا الفقيرة والطبقة العليا الغنية المترفعة عن باقي فئات المجتمع.
ويقول عمر السقاط الناشط السياسي، إن المغرب تحول إلى مجتمع ثنائي التكوين يتألف من طبقتين، طبقة عليا صغيرة الحجم ولكنها صارخة الغنى والثراء، وطبقة فقيرة مع بعض الاختلافات والتفاوتات في درجة الفقر ولكنها تضم بقية أعضاء المجتمع دون أن يكون هناك حد وسط يقف بينهما كما كانت تفعله الطبقة الوسطى التي لم تكن غنية لكنها لم تكن تعاني من قسوة الحياة ومذلة الفقر كما هي حاليا.
أما عبد الإله بنكيران رجل الأعمال والأمين العام لحزب العدالة والتنمية فيقول ان مفهوم الطبقة الوسطى أصبح اليوم مختلفا عن الأمس بحكم اختلاف نمط الاستهلاك والظروف المعيشية، فبعد أن كانت المرتكز في بناء المجتمع الحديث بفضل الدور الاقتصادي الذي تقوم به، أخذت هذه الطبقة في التدهور، وعلى سبيل المثال فان أسرة من قبل 30 أو 40 عاما يعيلها معلم براتب 700 درهم كان بمقدورها الحصول على بيت وسيارة والعيش في وضع مقبول وهو ما لم يعد متاحا اليوم بدخل شهري يصل إلى 5000 درهم (600 دولار تقريبا). وأصبح من ينتمي إلى الطبقة المتوسطة الحديثة هو الموظف الذي يتقاضى في حدود 20 ألف درهم (2400 دولار) شهريا، بينما يعيش صاحب 10 آلاف درهم بصعوبة بالغة، ويحتاج إلى ثقافة تمكنه من العيش بطرق مقبولة.
أعباء وضغوط
وتضم هذه الطبقة في المغرب عدداً كبيراً من الأفراد مقارنة مع الطبقة العليا، وهي تتألف من الممارسين لمهن قديمة كأصحاب الحوانيت والخدمات الصغيرة ومن مجموعة أخرى ظهرت نتيجة انتشار التعليم ونشوء الشركات وتوسع أجهزة الدولة الإدارية والعسكرية والأمنية. كما تضم موظفي الإدارات العامة وضباط الجيش والأمن المتوسطين والأساتذة والصحافيين وصغار رجال الأعمال وذوي المهن الفنية كالأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين والعاملين في قطاعات الخدمات والمشاريع الصغرى.
ويرى الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي إن الطبقة الوسطى في المغرب تعاني في الواقع من ثقل ضريبي غير عادل يكبل أوضاعها الاقتصادية، وقد ألقت عملية الخصخصة كثيرا من الأعباء والضغوط على هذه الطبقة، حيث تم خفض النفقات المخصصة للخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم والضمان الاجتماعي والسكن الاقتصادي ما أدى إلى ارتفاع أسعار هذه الخدمات، بالإضافة إلى تراجع فرص العمل في القطاع العام الذي أثر كثيرا على أوضاع هذه الشريحة نتيجة تفاقم البطالة بين خريجي الجامعات والمعاهد العليا.
وفي مرحلة تطبيق سياسات التقويم الاقتصادي تم الإضرار بالخدمات الاجتماعية عبر تقليص أو إلغاء دعم المواد الضرورية بذريعة خفض عجز الميزانية وضبط الأسعار إلى الحد الذي لجأت فيه الدولة إلى الرفع من الضرائب غير المباشرة. وعدا ذلك، ألقت العولمة كثيرا من الأعباء والضغوط والتوترات الإضافية على الطبقة الوسطى التي تعتبر العمود الفقري لاقتصاد السوق والديمقراطية لما تلعبه من دور في استمرارية السلم الاجتماعي.
وإذا كانت العولمة قد أفادت الطبقات الفقيرة ولو في حدود معينة في كثير من الدول بما وفرته من خدمات اجتماعية ولو محدودة وأتاحت الفرص الواسعة والاستثنائية للطبقات الغنية لجمع مزيد من الثروات والامتيازات فإن الطبقة الوسطى في المغرب لم تحظ بنصيب عادل من تلك الفوائد والمكاسب بل كان الأمر عكسيا، حيث واجهتها المصاعب التي أدت إلى انحدار مستواها الاقتصادي. ويجمع الخبراء على أن المغرب مثله مثل العديد من الدول العربية ما زال يحتاج إلى تطوير سياسات اقتصادية واجتماعية، وإلى تدخل الدولة المباشر في قطاعات أساسية، وعندها يمكن الحديث عن طبقة وسطى أصبحت المجتمعات الحديثة في أمس الحاجة إليها.
الرباط ـ رضا الأعرجي