شهد مثل هذا اليوم من عام 1992، حدثاً تاريخياً أوروبياً، يمثل تحولاً مثيراً في تاريخ القارة البيضاء التي عانت لعصور وقرون طويلة من صراعات دامية، فرقت بين العديد من الدول الأوروبية، وتغيرت خلالها معالم وحدود كل دولة بسبب التنافر والتناحر.

الحدث هو لم شمل أوروبا في بوتقة واحدة تحت اسم الاتحاد الأوروبي. وكان التوقيع على معاهدة ماستريخت في السابع من فبراير 92، تدشين لكيان جديد يضم الآن 27 دولة، تجمعها مصالح مشتركة بل ومتطابقة طبقا لدستور الاتحاد، رغم أن الأعضاء يتحدثون بـ 27 لغة. ولكن لغة المصالح العليا للبنيان الأوروبي هي الأساس. لم يأت الاتحاد الأوروبي من فراغ. فصول الوحدة الأوروبية بدأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية بعد أن أيقن الأوروبيون الذين تحولت يلادهم الى خراب ودمار، أن التعاون والتصالح والتعايش السلمي بعد المعاناة الشديدة التي شاهدها الجميع بأعينهم في أنحاء القارة، هو الطريق نحو استقرار ورخاء وأمن دائم.

في البداية وبعد عام من نهاية الحرب، إقترح الزعيم البريطاني الكبير ونستون تشرشل تأسيس ما أسماها «الولايات المتحدة الأوروبية». ولكن لم تظهر بدايات لكيان أوروبيين سوى في الخامس من مايو 1949، وهو مولد المجلس الأوروبي في ستراسبورج وكان باكورة المؤسسات الأوروبية في اعقاب الحرب الثانية. وبعد عام ولدعم المصالح الاقتصادية، اقترح وزير الخارجية الفرنسي ـ آنذاك ـ روبرت شومان ألمانيا ـ التي كانت بالنسبة لمعظم الأوروبيين بمثابة موطن الخطر عليهم، التعاون المشترك في مجال صناعة الحديد والصلب والفحم.وبالفعل تأسست بعد عام المجموعة الأوروبية للفحم والحديد والصلب «إي.جي.كي.إس» والتي ضمت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا ولوكسمبورج وهولندا.

وهذا الحدث يتم الاحتفال به سنويا في التاسع من مايو تحت اسم يوم أوروبا تكريما لصاحب الفكرة الفرنسي شومان. هذه الانطلاقة الناجحة، دفعت الأوروبيون الغربيون إلى إقامة ما عرف بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية في الخامس والعشرين من مارس 1957، اذ وقعت كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا ولوكسمبورج وهولندا على معاهدتين في العاصمة الايطالية روما. وأسسوا بموجبهما المجموعة الاقتصادية الأوروبية (المعاهدة الأولى) والمجموعة الأوروبية للطاقة الذرية( المعاهدة الثانية).

وفي الخامس والعشرين من مارس2007، حرص الأوربيون على الاحتفال بمرور نصف قرن على توقيع معاهدات روما التي مهدت فيما بعد للوصول الى ما وصل اليه الكيان الأوروبي الموحد. فمعاهدات 57 هي التي وضعت حجر الأساس لتكوين الاتحاد الأوروبي. هذا التقارب والشراكة الأولية بين بعض الأوروبيين في بادئ الأمر، دفعتهم الى الاتفاق على إسقاط الحدود فيما بينها. وبالفعل وقعت كل من بلجيكا وألمانيا وفرنسا ولوكسمبورج وهولندا في عام 1985 على اتفاقية «شينجن» التي نصت على الإلغاء التدريجي للحدود بينها وانضمت بعد ذلك دول إيطاليا والبرتغال وأسبانيا واليونان والنمسا والدنمرك والسويد وفنلندا بالإضافة إلى أيسلندا والنرويج، وبذلك اختفت الحدود بين هذه الدول.

كان هناك حدث تاريخي مهد الطريق لالتحام شطري أوروبا، وهو توحيد ألمانيا. فبعد تحطيم سور برلين الذي كان بمثابة جدار حديدة يعزل شرق أوروبا عن غربها،وبعد أربعة عقود من الحرب الباردة، توحدت الألمانيتين وفي الثالث من أكتوبر عام 1990 أصبحت ألمانيا دولة واحدة من جديد. ثم اتفق الأوروبيون علي تأسيس الاتحاد من قبل المجلس الأوروبي في مدينة ماستريخت الهولندية في ديسمبر 1991. ثم دخلت معاهدة ماستريخت بعد التوقيع عليها في 7 فبراير العام التالي في نفس المدينة، حيز التنفيذ في الأول من نوفمبر 1993. وفي الأول من يناير 1993، ألغيت نقاط التفتيش للبضائع على الحدود.

وطبقا لما نصت عليه معاهدة ماستريخت بتثبيت أسعار الصرف اعتبارا من الاول من يناير 1999،مهد الأوروبيون الطريق نحو قيام عملة موحدة. ومنذ الاول من يناير عام 2002 ظهر اليورو بالعملة الورقية والمعدنية وأصبح ثاني عملة عالمية في التداول بعد الدولار واتخذته بداية 13 دولة في الاتحاد الأوروبي كعملة لها، وأصبح اليورو نموذجا لوحدة القارة الأوروبية.

الاتحاد يضم الآن 27 دولة. مشوار الانضمام المتتالي بدأ عام 1973، عندما انضمت ثلاثة دول هي الدنمرك وبريطانيا وايرلندا للدول الست الاعضاء المؤسسين للاتحاد. وبدأ التوسع جنوبا بانضمام اليونان في يناير 1981 وتبعتها البرتغال وأسبانيا في يناير 1986 وتلتها دول فنلندا والنمسا والسويد في يناير عام 1995، وأصبح عدد دول الاتحاد 15، ثم بدأ توسع الاتحاد الأوروبي في اتجاه الشرق في الاول منمايو 2004 بانضمام بولندا وسلوفاكيا وسولفينيا والتشيك والمجر واستونيا ولاتفيا وليتوانيا ومالطا وقبرص.

وفي الاول من يناير 2007 انضمت بلغاريا ورومانيا وأصبح الاتحاد الأوروبي يضم 500 مليون نسمة. ويعتمد الاتحاد الأوروبي في بنيانه التنظيمي على 3 أجهزة إدارية تسمى «المثلث الإداري»، وهي مجلس الاتحاد الأوروبي، المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي.