إذا كانت مصادر الطاقة، وخاصة النفط قد شكلت سببا رئيسيا وراء حروب وصراعات النصف الثاني من القرن العشرين، فإنها ستشكل العامل الرئيسي في تغيير موازين القوى على الساحة الدولية في القرن الحالي، مع مراعاة عامل أساسي وهام، وهو تناقص احتياطي النفط العالمي مع زيادة الاستهلاك عما كان عليه في القرن الماضي بنسبة تتجاوز الخمسين في المئة.

الأمر الذي أدخل الغاز الطبيعي إلى جانب النفط كمصدر سهل للحصول على الطاقة وخاصة لتشغيل المصانع وللتدفئة، وهذا الأمر أعطى لروسيا أهمية خاصة ومتميزة في أسواق الطاقة العالمية، ليس فقط باعتبارها ثاني أكبر منتج وثاني أكبر مصدر للنفط بعد المملكة السعودية، ولكن أيضاً باعتبارها أكبر منتج في العالم للغاز الطبيعي الذي تحتكر منه روسيا وحدها نحو 29 في المئة من الإنتاج العالمي.

روسيا العائدة بقوة ملحوظة على الساحة الدولية، رغم امتلاكها لأكبر ترسانة سلاح نووية ولواحد من أكبر جيشين في العالم، إلا أنها أبت أن تكون القوة العسكرية هي الورقة التي تعود بها إلى طاولة الكبار في العالم، خاصة وأنها تعلم أن هذه الورقة لا تحظى الآن بالاحترام الذي كانت تحظى به من قبل، كما أن القوة العسكرية أصبحت عامل طرد وليس جذب للدول الأخرى ولا تشكل القوة العسكرية أية إلحاح على الدول للتقارب مع الدولة القوية عسكريا.

لقد استوعبت روسيا جيدا الدرس السوفييتي السابق وخرجت للعالم بأوراق جذب لا يختلف عليها أحد، ومن أهمها مصادر الطاقة، حيث ترفع روسيا الآن في تعاملها مع العالم شعار «خذ الطاقة وأعطني ما أريد»، نعم روسيا تريد من الدول الأخرى أشياء كثيرة بخلاف التبادل التجاري والاقتصادي، إنها تريد الدعم السياسي الذي يعيد لها مكانتها على الساحة الدولية، وهذا بحكم كونها دولة كبيرة ذات إمكانيات كبيرة ولها طموحاتها الخاصة التي لا تتوافر إلا لدى عدد محدود جدا من دول العالم، ولهذا فإن روسيا لا تخفي طموحاتها السياسية وتداخلها في كافة القضايا المثارة على الساحة الدولية، لكنها لا تضع الأهداف السياسية على طاولة علاقاتها مع الدول الأخرى بل تخفيها دائما تحت الطاولة.

لقد غزت روسيا أوروبا في السنوات القليلة الماضية أثناء حكم الرئيس السابق بوتين غزوا حقيقيا بسلاح الطاقة، بحيث باتت روسيا وحدها تشكل أكثر من أربعين في المئة من مصادر الطاقة لأوروبا، وأنشأت روسيا شبكات خطوط الأنابيب العملاقة لنقل الغاز الطبيعي والنفط إلى أوروبا، وبالتالي تحكمت في أهم عوامل الاحتكار، وهي الإنتاج ووسائل نقل الإنتاج، ورحب الأوروبيون، وخاصة الكبار منهم بهذا الغزو الروسي لهم لأنه يضمن لهم مصدرا أمنا ومستقرا للطاقة، لكن الولايات المتحدة الأميركية لم يرق لها هذا الوضع، وهي ترى روسيا تسحب البساط من تحت أقدامها في أوروبا، لهذا قررت ألا تستسلم، وبدأت تحيك المشاكل والأزمات لتوحي للأوربيين أن روسيا ليست هي المصدر الأمن والمضمون للطاقة، وكانت أزمة الغاز بين روسيا وأوكرانيا منذ أيام نموذجا للمشاكل التي تحيكها واشنطن في هذا الهدف.

elmoghazy@hotmail.com