تثبت شواهد الواقع والتاريخ ان كافة الحروب التي دارت بين جيوش نظامية وحركات مقاومة شعبية جرى فيها التنكيل بالمدنيين واتخاذهم دروعا بشرية من جانب العسكريين النظاميين. فمثل هذه الحروب تحدث اختلالا في الموازين العسكرية بين المتحاربين فيصبح القوي ضعيفا بقوته، ويصير الضعيف قويا بضعفه، لأن حروب المقاومة لا تعتمد التكتيكات التقليدية المعتادة، فتعجز الجيوش بحكم ثقلها وتقاليدها الراسخة حتى الجمود عن مجاراة تكتيكات وتحركات المقاومة، من حيث محدودية أو انعدام الأهداف الثابتة المطلوب ضربها أو تدميرها، وهنا تقع الجيوش تلقائيا في مأزق عسكري وأخلاقي أمام إلحاح العمليات والتكليفات.
فلا تجد أهدافا سوى المدنيين من أبناء الدولة المحتلة أو المطلوب احتلالها. حدث هذا في الحرب الفيتنامية من جانب الولايات المتحدة، كما حدث في حرب التحرير الجزائرية بيد الفرنسيين، وفي العراق بواسطة القوات الأميركية مثلما في الفلوجة وغيرها، وجرى في الحرب الإسرائيلية على لبنان. ولا يزال يحدث الآن في أفغانستان وفلسطين.
ومثل هذه الحروب تشهد وقوع مجازر جماعية، ذلك ان الجيوش العاجزة عن مواجهة المقاومة توجه انتقامها إلى المدنيين بوصفهم الأهل والأقارب والظهير الشعبي المساند، فهم بالنسبة لها أهداف سهلة أو مضمونة، حتى تظهر امام قيادتها السياسية ومجتمعها بأنها تؤدي المهام المكلفة بها في الميدان، وكي تستجلب التعاطف الشعبي والاعتمادات المالية، ولكي تحول المدنيين إلى عبء معنوي ينال من كفاءة او صمود المقاومين.
وفي الجانب الآخر تتعمق دائرة السخط والعدائية ضد المحتلين مقابل التعاطف مع المقاومة الوطنية، مما يوسع دائرة المنضمين إلى صفوفها رغبة في الانتقام والتخلص من كابوس القتل اليومي بأيدي المحتلين. وهنا تتعاظم الذخيرة البشرية ويتسع الاحتضان الشعبي، فيدخل المحتل في دائرة استنزاف عاتية. وعادة ما تنتهي مثل هذه النوعية من الحروب بانتصار المقاومة بسبب جرائم الاحتلال. ونادرا ما تمكن جيش نظامي من كسب الحرب الشعبية الحقيقية، فربما يكسب جولة أو جولات لكنه يخسر الحرب في النهاية. وفي زحام الصراع عادة ما تمر جرائم الجيوش ضد المدنيين من دون محاسبة قانونية رادعة، كما حدث ويحدث في العراق منذ احتلاله.
ولهذه الأسباب أيضاً استهدفت إسرائيل المدنيين في غزة، وفي كل حروبها ضد المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، إلى جانب البنى التحتية باعتبارها أيضاً أهدافا ثابتة. ويمثل المدنيون أهدافا استراتيجية في العقيدة العسكرية الصهيونية منذ ما قبل قيام إسرائيل، فتم ذبح أهالي قرية دير ياسين وكفر قاسم وغيرهم، وكلما توسعت الآلة العسكرية الإسرائيلية توسعت دائرة التذبيح ضد المدنيين، كما حدث في صبرا وشاتيلا وقانا الأولى والثانية، ثم ما جرى في غزة حديثا.
ولن تتوقف هذه الاستراتيجية عن التنامي إلا إذا جوبهت جديا بملاحقة الإسرائيليين الذين يرتكبون هذه الجرائم، ويتم اقتيادهم للمحاكمة أمام الجنائية الدولية أو الجنائيات العربية والغربية. ومن هنا تنبع اهمية الجهود التي يبذلها عرب وأجانب من أجل ملاحقة القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين قضائيا، ومثل هذه الجرائم لا تسقط مع الزمن.
من حق أرواح الشهداء علينا أن نضع المجرمين الصهاينة في قفص الاتهام العالمي، ولو من الباب الاعلامي والسياسي، إن تعذر ذلك قانونيا، كي يفكر الواحد منهم ألف مرة قبل الضغط على الزناد، والفرصة سانحة الآن مع تكشف بشاعة مذابح غزة أمام العالم، فالانتصار المر الذي حققته المقاومة الفلسطينية عسكريا يستحق أن نواكبه بانتصار قضائي ضد السفاحين الصهاينة.