صدر كتاب رئيف خوري عام 1938 وكانت مجلة «الطليعة» هي المبادرة إلى إصداره. وقدم للكتاب رئيس تحرير المجلة رجا حوراني. وللمجلة هذه تاريخها الذي يستحق منا أن نعرف القارئ به. فهي قد صدرت في عام 1934، في أعقاب مؤتمر للمثقفين العرب اليساريين في سوريا ولبنان، الذي عقد في منزل يوسف الهراوي في مدينة زحلة عاصمة منطقة البقاع الواقعة في شرق لبنان، بين سلسلتي جباله الغربية والشرقية. ويوسف الهراوي هو واحد من زعماء تلك المنطقة، الذي صار فيما بعد نائباً ووزيراً مرات عديدة. كان المبادر إلى عقد ذلك المؤتمر هو الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان.
وكانت الغاية من عقده البحث في قضية الوحدة العربية. وقد صدر عن المؤتمر بيان هو الأول من نوعه يحدد مفهوم ومضمون وأهداف الوحدة العربية، وشروط تحققها. وكان من أهم القرارات التي اتخذها المؤتمر إصدار مجلة «الطليعة»، التي تحولت إلى ملتقى للمثقفين العرب من كل البلدان. واستمرت المجلة في الصدور حتى عام 1939، العام الذي نشبت فيه الحرب العالمية الثانية، والعام الذي وقعت فيه فرنسا تحت الاحتلال النازي، وتحولت قواتها في تلك الفترة من الانتداب الفرنسي على لبنان إلى قوات تابعة للنازية. فعطلت تلك السلطات الصحف والمجلات. وكانت مجلة «الطليعة» من أوائل تلك المجلات التي تم تعطيلها.
مجلة «الطليعة» تلك هي التي تبنت إصدار كتاب رئيف خوري «حقوق الإنسان، من أين وإلى أين المصير»؟. وكان لصدور الكتاب في ذلك التاريخ مغزاه. وكانت له دلالته. ففي ذلك التاريخ بالذات كان العالم كله يواجه خطر النازية والفاشية. وكانت سلطات الانتداب في لبنان وسوريا والعراق وفلسطين تواجه الحركات المطالبة بالاستقلال بأشكال مختلفة من العسف والاضطهاد. الأمر الذي جعل حقوق الإنسان، وحقوق المواطن، في أسوأ حالاتها. لذلك كان الكتاب.
استشهادات ثلاثة
إلا أن من طرائف هذا الكتاب أن رئيف خوري قد بدأه بثلاثة استشهادات. الاستشهاد الأول حديث للخليفة عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً». الاستشهاد الثاني هو للكاتب الفرنسي لا مارتين الذي جاء فيه:«لقد ولد الرأي العام يوم أوجد غولنبرغ ـ الملقب بصانع العالم الجديد- عن طريق الطباعة، تلك الصلة التي لا نهاية لها بين الأفكار والأذهان البشرية.
وقوة الرأي هذه، التي لا نكاد ندركها، ليست تحتاج في بسط سلطانها إلى سمة الانتقام أو سيف العدالة أو آلة الإعدام. لأن في يدها ميزان الأفكار والمؤسسات والذهن البشري. ففي إحدى كفتي ميزانها ستعيش طويلاً خرافات العقل الإنساني، والأهواء التي تدعي لها الفوائد، وحقوق الملوك المقدسة، والتمايز في الحقوق بين الطبقات، وعداء الدول، وروح الفتح الحربي، واتحاد الدين والحكومة اتحاداً فاسداً، والرقابة على الأفكار، وإسكات زعماء الشعب، والعمل في الحط من كرامتهم، وشيوع الجهل بين سواد الأمة... أما في الكفة الأخرى فإننا سنضم أخف ما خلقه الله وأقله مادة- النور!».
الاستشهاد الثالث هو للأديب الروسي مكسيم غوركي الذي جاء فيه:«ما دمنا لم نتعلم بعد أن نغتبط بالإنسان كأجمل وأعجب شيء على كرتنا، فإننا لن نستطيع تحرير أنفسنا مما في حياتنا من فظاعة ونفاق. بهذه العقيدة جئت العالم، وبهذه العقيدة سأتركه. وعند تركي إياه سيبقى معي إيماني بأن العالم مدرك يوماً أن الإنسان هو أقدس شيء!».
أما كاتب المقدمة رجا حوراني، رئيس تحرير مجلة «الطليعة» فيبدأ مقدمته باستشهاد لإدوارد بللامي في كتابه «المساواة» جاء فيه:«لا يحق لأحد أن يظن خطأ أني أحلم بالسعادة دون جهاد، وبالخيرات دون عمل. العمل هو الشرط الأساسي ليس لإيجاد الخيرات فحسب، بل للحياة نفسها... إني أطلب شيئاً واحداً وهو أن لا يرهق أناس ليعيش آخرون كالطفيليين، وألا يبقى سيد ومسود، هل هذا تطرف؟...
هل يفترض ضعاف الإيمان بقولهم (مستحيل)! ثم يرددون ما قاله غيرهم إنه لحلم جميل وسيبقى حلماً جميلاً روحانياً في تاريخ الطوباويات! وأن الأرض لن تثمر به، وأن الأقلية تتخم وتتنعم والأكثرية تكد وتعمل!... الأقلية تبذر والأكثرية تجوع! الأقلية تسود والأكثرية تساد!...المنتجون هم الفقراء، والكسالى هم أهل الثراء! وإن هذه الحال ستستمر إلى الأبد؟..لا! لا! فهل حلم العالم شيئاً؟ هل تشوق وتاق محبو الإنسانية إلى سعادة غير ممكنة التحقيق؟.. هل الطموح للحرية والمساواة والسعادة، غرس في صميم قلوبنا شيئاً؟».
يستهل رئيف خوري كتابه في الفصل الأول بتحديد مفهومه للدولة لا الحكومة ، مؤكداً على ضرورتهما، مميزاً بوضوح بين الدولة وبين الحكومة، ومحدداً، في الوقت عينه، سبع مبادئ لحقوق الإنسان. يقول رئيف خوري بالنص في هذا الفصل:«... فنحن عندما نقول حقوق الإنسان في المجتمع نقصد حتماً حقوق الإنسان بالنسبة إلى الدولة وحكومة المجتمع. فلا بد لنا إذن، ونحن نبحث حقوق الإنسان، من أن نلم ببحث الدولة والحكومة إلماماً سريعاً على مقدار ما نحتاج لغرضنا.
إن الدولة والحكومة وطبيعتهما لأمور مرتبطة ارتباطاً وثيقاً، ومشتبكة بطبيعة المجتمع نفسه. الدولة والحكومة منغرستا الجذور في تربة المجتمع نفسه، نابتتان متغذيتان منه، وليستا مفروضتين عليه من الخارج مطلقاً... الدولة شيء أهم وأوسع نطاقاً وأطول عمراً من الحكومة. فالحكومة شيء داخل في نطاق الدولة. هي الهيئة القابضة على مقاليد السلطة في آن ما، وتتبدل وتتعدل بينما جوهر الدولة يبقى واحداً....».
إنسان بلا حقوق
ويتحدث رئيف في الفصل الثاني عن المرحلة التاريخية التي عاش فيها الإنسان بلا حقوق. وهي المرحلة التي كانت تتحكم فيها بالبشر سلطات الكهنوت والإقطاع والملوك. ويتابع الكاتب في هذا الفصل مسار حركة التاريخ، حقبة إثر حقبة، مشيراً إلى النضالات التي خاضتها البشرية دفاعاً عن حقوقها. وكانت تتقدم خطوة إثر خطوة في الاتجاه الذي يؤمن لها حقوقها.
ويدخل الكاتب في تفاصيل المعارك والحروب بين الدول حول مصالحها، وحول أشكال تحكمها بالبشر، وممارستها شتى أنواع الاضطهاد لهم ولحقوقهم. ويتوقف عند الثورة الإنجليزية، كأول ثورة فتحت الباب على تغييرات كبرى لاحقة. فهي، في تحليله لها، هي الثورة البرجوازية الأولى في التاريخ بمعنيين، المعنى الذي يشير إلى الارتقاء في حركة التاريخ من نظام إلى نظام آخر، وبالمعنى الذي يشير، بالمقابل، إلى دخول الديمقراطية كأساس للنظام الجديد القادم.
وينتهي هذا الفصل بوقفة طويلة من الكاتب عند الثورة الفرنسية، يبدأها بقوله:«أما الثورة الفرنسية الكبرى فإن رياحها كانت ولا تزال أشد هذه الثورات عصفاً، وأبعدها مدى في الهبوب، وأعمقها تأثيراً». في هذا الفصل يسترسل الكاتب في الحديث عن الثورة الفرنسية، وعن الممهدات الفكرية والسياسية التي هيأت لها، وعن المعارك السياسية التي جرت بعد انتصارها حول تحديد مبادئها وأهدافها.
وينهي الفصل بتقديم خلاصة لأهم بنود إعلان حقوق الإنسان والمواطن كما أقرته الجمعية الوطنية في السادس والعشرين من شهر آب من عام 1789، عام انتصار الثورة، ننقل خلاصة هذه البنود كما أوردها الكاتب بالنص في الكتاب:
«يولد الناس أحراراً ويلبثون كذلك متساوين في الحقوق، والحقوق هي: الحرية، الملكية، الأمن، مقاومة الظلم التفاضل الاجتماعي لا يمكن أن يقوم إلا على أساس المصلحة العامة... الشرائع هي ظاهرة منبثقة من الإرادة العامة. وحق لكل مواطن أن يشترك شخصياً أو عن طريق نائبه في سنها، ويجب أن تكون سواء للجميع.
كل المواطنين في حكم الشرائع سواء. ولذلك يمكن لجميعها الدخول في المناصب والوظائف على قياس كفاءاتهم وذكائهم... لا يمكن أن يتهم شخص، أو يقبض عليه، أو يسجن إلا في حالات محصورة في القانون، وطبقاً لأساليب مشروحة فيه
كل المواطنين لهم الحق أن يقرروا شخصياً أو عن طريق نوابهم فيما إذا كانت الإعانات العامة ضرورية أم لا، ولهم الحق أن لا يدفعوا الإعانات إلا عن حرية، وأن يعلموا في أي الوجوه سيجري إنفاقها.
ولهم الحق في أن يحددوا نسبة الضرائب وأسلوب تقديرها وجمعها ومدى دوامها حق الملكية مقدس لا يستطيع أحد نزعه ما لم تستوجب ذلك المصلحة العامة، وما لم تكن الحاجة إليه ثابتة ثبوتاً قانونياً لا مناص منه، وما لم يكن قد عوض عن الملكية المنزوعة بثمن عادل الهيئة الاجتماعية لها الحق في أن تطلب من كل موظف حساباً عن سيرته في الإدارة لا يجوز أن يزعج أحد بسبب عقائده ـ دينية وغيرها ـ بشرط أن لا تكون المجاهرة بها مخلة بالأمن العام الذي أثبته القانون إن التبادل الحر فيما يخص الأفكار والآراء لمن أثمن حقوق الإنسان. بناء عليه، كل مواطن له أن يتكلم ويكتب ويطبع بحرية، مع العلم أنه مسؤول عن إساءة استعمال هذه الحرية حسب ما ينص القانون من مبادئ الثورة أن تكون السلطة للأمة. وشعارها: الحرية، الإخاء، المساواة!».
أفكار اشتراكية
غير أن رئيف خوري المشبع بالأفكار الاشتراكية ينتقل في الفصول الأخيرة من الكتاب إلى الحديث عن الاشتراكية التي انتصرت أفكارها في ثورة أكتوبر في عام 1917، وتأسست أول دولة اشتراكية في التاريخ باسمها، هي دولة الإتحاد السوفييتي. ويعتبر خوري في هذه الفصول أن النظام الاشتراكي هو الضامن الحقيقي لحقوق الإنسان، كما عبرت عنها مبادئ الثورة الفرنسية في إعلان حقوق الإنسان والمواطن. لكنه اعتبر أن الاشتراكية دخلت في جوهر حقوق الإنسان وطورته، متجاوزة بذلك مضمون هذه الحقوق في صيغتها المتصلة بالثورة الفرنسية.
وكان التاريخ الذي صدر فيه الكتاب تاريخ الصراع الكبير والجاد بين الديمقراطية والفاشية، سرعان ما تحول إلى حرب عالمية كبرى. وكان من نتائج تلك الحرب أن انتصرت الديمقراطية على الفاشية، وكان للدولة الاشتراكية الكبرى، الإتحاد السوفييتي، ولجيشها، دور حاسم في ذلك الانتصار.
إلا أن رئيف خوري لم يكن يعلم، في ذلك الحين، أن ما كان يمثله، بالنسبة إليه وإلى الملايين في العالم، انتصار الاشتراكية من حلم كبير في جعل حقوق الإنسان تأخذ طريقها إلى التطبيق، لم يكن يعلم أن حلمه وحلم الملايين كان سينكسر في العقد الأخير من القرن، وأن السبب الأساسي في هذا الانكسار يعود إلى الخلل البنيوي في النظام الذي حمل اسم الاشتراكية ومثلها وقيمها، وخانها.
ولأن رئيف خوري كان صادقاً فيما قدمه من تأكيدات بأن حقوق الإنسان ستأخذ طريقها الصحيح إلى التحقيق، في ظل الاشتراكية، التي كان مؤمناً بها وبأفكارها وبقيمها وبمثلها، فإنه، حين تعرض للإساءة من قبل الحزب الشيوعي اللبناني الذي كان يعتبر أبرز مثقفيه في ذلك التاريخ، وكان ذلك في أواخر أربعينات القرن الماضي، أي بعد عشر سنوات من إصدار كتابه، لم يعلن براءته من أفكاره الاشتراكية. بل هو ظل أميناً لها حتى وفاته. إذ اعتبر أن الخلل ليس في الأفكار، بل في الذين حملوها ووضعوها موضع التطبيق في الدولة وفي المجتمع وفي سائر ميادين الحياة والنشاط الإنساني. وكان قد بدأ يدرك، بعد الذي تعرض له من إساءات، وما قد بدأ يكتشفه من خلل في النظام الاشتراكي السائد، أن حقوق الإنسان ستحتاج إلى زمن آخر وإلى أجيال جديدة، لكي تصبح قادرة على الدخول في حياة البشر، عبر القوانين التي تنظمها.
معاناة الشعوب العربية
أما شعوبنا العربية فإنها لا تزال محكومة، في معظمها، بأنظمة استبداد، على مستوى السلطات الحاكمة، ومحكومة بسلطات بديلة من كل الأنواع، وأكثرها رجعية وظلامية وتدميراً للحياة الإنسانية ولحقوق الناس يتمثل بالحركات الإرهابية بأشكالها وصيغها المتعددة.
لقد أردت من استحضار هذا الكتاب توجيه صرخة في اتجاهين. أولاً في اتجاه أنظمة الاستبداد في بلداننا، بأنواعها المختلفة المشار إليها. وثانياً في اتجاه الحركات التي تعطي لنفسها صفة واسم الدفاع عن حقوق الإنسان. والإشارة إلى هذين الاتجاهين لا تعني التطابق بينهما. فذلك غير صحيح. إنما أردت أن أشير إلى أن حركات الدفاع عن حقوق الإنسان قد تحولت في معظمها، إلى حركات روتينية شكلية، غير ذات جدوى، وغير ذات فعالية.
لا بد، إذن، من عمل نوعي جديد مختلف عما هو سائد للدفاع عن حقوق الإنسان. وهي مهمة لها الأولية في بلداننا. وتستدعي هذه المهمة الشروع في نضال متواصل لإزالة أنظمة الاستبداد، واستبدالها بأنظمة ديمقراطية حقيقية. ففي ظل الأنظمة الديمقراطية يصبح للدول دورها، وللحكومات داخل هذه الدول دورها، وللمجتمع المدني دوره. ويصبح للنضال من أجل سن قوانين تحمي حقوق الإنسان وحقوق المواطن دور يجعل الهدف المبتغى هدفاً ممكن التحقيق.