تعد صناعة الشموع في اليمن من أقدم الصناعات التقليدية التي ازدهرت في كثير من المدن التي اشتهرت بأسواقها كصنعاء وعدن والحديدة لكن هذه الحرفة التي تفننت بها نساء اليمن منذ القدم تكاد تختفي اليوم من تلك الأسواق عدا القليل منها المخصصة لاستخدامات استثنائية كالأعراس والمناسبات أو لعلاج بعض الأمراض.
وتستهلك اليمن كميات كبيرة من الشموع في ضوء حقيقة أن مناطق شاسعة منها لم يدخلها التيار الكهربائي علاوة على أن الطاقة المنتجة لا تلبي الطلب المتزايد عليها مما يضطر مؤسسة الكهرباء اليمنية إلى توزيعها بالتناوب بين المناطق والأحياء ومع كل إطفاء يلجأ سكان الأحياء المظلمة إلى الشموع ما رفع الطلب على استهلاكها خاصة في السنوات الأخيرة التي تزايد فيها الانقطاع المتكررة للتيار الكهربائي جراء عجز الطاقة التوليدية.
ومع أن تلك أسباب كان يمكن لها أن تنعش هذه الحرفة التي تعد من أقدم الصناعات المنزلية المدرة للدخل العائلي حيث كانت الكثير من الأسر اليمنية تجيد هذه الصنعة بل وتتفنن في تشكيلها أو بإضفاء روائح عطرة عليها تنشر أريجها في الأماكن التي تضاء فيها تلك الشموع العطرية إلا أن ما حصل هو أنه رغم تزايد الحاجة للشمع في مثل هذه الظروف شهد الشمع المنتج محليا انحسارا وتراجعا وصل إلى حد انقراض هذه الصنعة.
ضربة موجعة جراء المنافسة
ويقول علي محمد قاطن الذي ينحدر من أسرة تجارية اشتهرت بالعطارة وبصناعة وتجارة الشموع في أقدم أسواق اليمن سوق الملح التقليدي: المنافسة الخارجية قضت على هذه الصناعة وضربتها ضربة موجعة جعلتها في حالة احتضار مستمر لأنها لم تعد تجدي أمام تدفق واردات الشمع الخارجي رخيص الثمن.
ويشير قاطن إلى أن سعر الكيلوجرام من الشمع المستورد من الخارج على شكل قوالب خام يباع بثلاثمائة ريال بينما المنتج المحلي يباع الكيلو جرام منه بألف ريال وهو أمر يؤدي بالزبون إلى اختيار الأرخص ثمنا عدا في حالات استخدامه لأعراض طبية وعلاجية يفضل فيها المنتج من المناحل اليمنية. هذا فيما يتعلق بخام الشمع أما بالنسبة لشموع الإضاءة والزينة فالمنتج المحلي من هذا النوع يندحر يوما بعد يوم ليفسح الطريق للمستورد منه.
ويرجع صادق الجولحي تاجر وبائع شموع واقع تراجع المنتج المحلي من هذه السلعة إلى أن الوارد من الخارج من شموع الإنارة والزينة ينتج من مواد كيماوية وتستخدم فيه مصانع حديثة تتوفر على آلات متطورة تنتج مئات الآلاف من الشمع.
أما البلدي فمازال يعتمد على وسائل تقليدية بدائية وهو يصنع ويشكل ويلون يدويا وكل شمعة تتطلب من المرأة التي اعتادت على إنتاج هذه السلعة جهدا كبيرا لا يعادل ما ستحصل عليه من مقابل ولهذا يضيف الجولحي: انصرف الكثيرون عن إنتاج الشمع البلدي والنساء اللائي كن يشتغلن على هذه الصنعة اليوم يعصرهن الحنين إلى زمنها الغابر عندما كن يجنين المال الوفير من حرفتهن فبدأن يتخلين بالتدريج عن هذا العمل الذي كان كل أفراد الأسرة يتقنونه باقتدار.
ويفاخر قاطن بأن أسرته هي الوحيدة الباقية داخل أسوار مدينة صنعاء القديمة مواظبة على هذه الصناعة ليس لأنها تلاقي رواجا وإنما لأن مستلزمات العطارة تقتضي توفير كل الطلبات الخاصة بالطب الشعبي القديم مؤكداً أن الكثير من الزبائن مازالوا يقصدونه طالبين هذه السلعة لاستخدامها في الأعراس والمناسبات الدينية التي تضاء فيها الشموع أو لشرائها على هيئة قوالب بغرض استعمالها في أغراض أخرى صناعية وطبية.
ومن تلك الإغراض الطبية والصناعية التي تستخدم فيها قوالب الشمع البلدي والتي حافظت على طلب محدود عليه كسور العظام التي تجبر بالطرق التقليدي وفي صناعة مقابض الخنجر اليمني الجنبية حيث تذاب تلك القوالب مخلوطة باللبان والرماد فتنتج مادة صمغية شديدة التماسك تبقي مقابض الجنابي ثابتة ومتماسكة لقرون طويلة.
جوانب طبية فقط
ويلتقي العديد من صناع وباعة الشمع البلدي على أن وظائف هذا المنتج أضحت محصورة بهذه الجوانب الطبية والصناعية وأن استعمالها لأغراض الإنارة والزينة قد تراجعت إلى مستويات غير مسبوقة بسبب تدني قيمة أسعار المستورد منها على الرغم من أنها أطول عمرا واقتصادا من غيرها لأنها مصنوعة من شمع المناحل وتذوب ببطء لكن الناس يفضلون المستورد لرخصه فالشمعة البلدية تعادل قيمتها عشر شمعات صينية وهندية.
وكل ذلك حسب تلك الآراء أدت إلى عزوف العديد من الأسر التي تخصصت في صناعة وتشكيل مختلف أنواع الشموع عن الاستمرار من إنتاج بضاعة كاسدة لا تكاد قيمتها تعادل ولو جزء يسير من الجهد المبذول في إذابتها مرورا بتشكيلها وتلوينها وحتى تسويقها في سوق لا تلاقي فيها الصدى الذي كانت تحظى به قديما ويأخذ البعض على الجهات الحكومية عدم اهتمامها بهذه الحرفة التقليدية السائرة في طريق الاضمحلال والزوال في بلد يعاني من انتشار الفقر ويمكن لمثل تلك الحرف أن تلعب دوراً كبيراً في الحد من رقعته وانتشاره ويسجل في هذا الإطار أن الدراسات والخطط الرامية إلى تنمية وتطوير النشاط الاقتصادي الأسري بشكل عام ونشاط المرأة الاقتصادي بشكل خاص لم تول هذه الصناعة أهمية تذكر ولم تدرج ضمن أهداف تطوير على الرغم من الرصيد التاريخي الذي تتكئ عليه والسمعة التي حظيت بها أصبحت تذوب وتحترق كما تذوب الشمعة وليس هناك من يتدارك الأمر.
صنعاء ـ «البيان»