حوادث الطرق والحوادث المرورية.. ظاهرة في مصر يدق الجميع ناقوس الخطر لمواجهتها، خاصة بعد أن تزايدت معدلاتها بشكل مخيف وهو ما أوجد جدلا واسعا ولغطا كبيرا حول أسباب تلك الظاهرة؟ وكيفية موجهتها؟ بعد أن أصبحت مصر تتربع على قمة دول العالم في الحوادث المرورية بلا منافس. وقد تزايد عدد القتلى من تلك الحوادث في العام لأكثر من ستة آلاف وحوالي 70 ألف مصاب، كما تتكبد الميزانية العامة للدولة ما بين 4 إلى 5 مليارات جنيه مصري وهو ما يعادل 3 بالمائة من الناتج القومي المصري.» الدولار الأميركي يساوي 5. 5 جنيهات مصرية».
في البداية، يوضح مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق ومدير الإدارة العامة للمرور وخبير المرور الدولي اللواء يسري الروبي أن منظومة المرور في أية دولة وفي أي مكان تتكون من ثلاثة عناصر رئيسة وهي المركبة، والسائق أو قائد المركبة، والطريق، مشيرا إلى أن أي خلل في أي عنصر من العناصر الثلاثة لمنظومة المرور لابد وأن يؤدي في النهاية إلى كارثة محققة.
وقال الروبى: للأسف الشديد فإننا في مصر نعاني من خلل كبير في العناصر الثلاثة، المركبة والبشر أو قائد المركبة والطريق، الأمر الذي لابد أن تكون نتيجته كارثية ويجعل مصر في مقدمة دول العالم معاناة من ارتفاع عدد حوادث المرور وعدد ضحاياها بشكل يجعل من ضحايا الحوادث المرورية يفوق بكثير ضحايا مصر من جميع حروبها مع إسرائيل.
خلل المنظومة المرورية
وأشار إلى أنه نتيجة لهذا الخلل الكبير في عناصر المنظومة المرورية كانت النتيجة أن ازدادت حوادث الطرق بشكل مخيف إلى درجة أن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري حذر من تفاقم الخسائر الفادحة التي يتعرض لها الاقتصاد المصري سنويا بسبب ارتفاع معدلات حوادث الطرق بمصر التي تزداد سنويا بنسبة 200 بالمائة ويزيد عدد القتلى سنويا على أكثر من 6 آلاف قتيل مما يكبد الاقتصاد المصري ما يزيد على 4 مليارات جنيه سنويا وهو رقم ضخم مقارنة بين مصر ودول الشرق الأوسط.
وأرجع الروبي أسباب ارتفاع الحوادث المرورية في مصر إلى وجود خلل في أحد عناصر المنظومة المرورية، وقال: إن أهم خلل يحدث في المنظومة المرورية يكون من جانب قائد المركبة فنكتفي باختبارات روتينية بعيدة عن الضغط النفسي وعدم خلق ثقافة مرورية عامة لدى المواطن بصفة عامة، واختفاء اللياقة العامة وفن التعامل والآداب العامة التي يكون من نتيجتها الكثير من الحوادث وشيوع مفاهيم «الفهلوة» و«الشطارة» و«العنترية»، ويكون من الطبيعي عند ذلك عدم الالتزام بقواعد المرور، والتي تعد آفة السائق المصري الذي يعتقد أن الفهلوة والشطارة هي تخطي الآخر وتخطي السرعة المقررة للطريق للوصول مبكراً للمكان المراد وربما يصل مبكراً لمكان آخر، وعلينا في ظل ذلك ألا نندهش من الإحصائيات الرسمية التي تقول إن 70 بالمائة من أسباب حوادث المرور يرجع للعنصر البشري.
وأضاف الروبي: أن العنصر الثاني من أسباب الكوارث المرورية يرجع إلى الخلل بالمركبة وعدم صيانتها بالشكل اللائق، وأنه من المؤسف حقا أن نجد البعض يدفع مبلغاً كبيراً في شراء سيارة حديثة ولا يكلف نفسه مبلغاً ضئيلاً لإجراءات الصيانة لها. وأشار إلى أن الإحصائيات الرسمية تؤكد أن 20 بالمائة من أسباب حوادث المرور يرجع لعيوب فنية أو ميكانيكية في المركبات.
ونوه إلى أن الطرق بكل أسف لا تقل أهمية وخطورة عن سابقيها من عناصر المنظومة المرورية والتي تسهم بشكل كبير في الحوادث المرورية، أولا نظرا لعدم مطابقة هذه الطرق للمواصفات العالمية، وثانيا عدم وجود طرق مرورية حرة دولية، بالإضافة إلى أن أي طريق شأنه شأن أي شيء آخر له عمر افتراضي ويستلزم إجراء صيانة له، ولكن للأسف الشديد فهذا بالطبع لا يحدث مما يترتب عليه الكثير من الحوادث.
انعكاسات أمنية وسياسية
وحول كيفية معالجة ظاهرة ارتفاع حوادث المرور في مصر، ينبه مدير المعهد القومي للنقل المهندس عبد الله حسن وهدان إلى أن ظاهرة الحوادث المرورية أصبحت تشكل ظاهرة خطيرة لما لها من انعكاسات أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية في ظل التزايد المستمر لمعدلات الخسائر البشرية والاقتصادية الأمر الذي له انعكاسات ومردودات سلبية خطيرة جدا.
وحدد وهدان عدة خطوات لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، مؤكدا على ضرورة إطلاق حملة وطنية لرفع الوعي الشعبي لقائدي المركبات، وكذلك مستخدمي الطريق من المشاة والقائمين على تنظيم المرور وإدارته عن طريق وسائل الإعلام المختلفة وخاصة المرئية والمسموعة تبدأ من التوعية بالمدارس والجامعات.
كما طالب كذلك بالعمل على تطبيق القانون بحزم وتوقيع عقوبات رادعة لكل من يعرض حياة الآخر للخطر ويتجاوز سرعة الطريق، والكشف الدوري سنوياً على المركبات وعدم تجديد الرخص للسيارات التي بها عيوب جسيمة، وكذلك الكشف على إدمان المخدرات بين سائقي المركبات، ورفع مستوى رجال المرور وتزويدهم بالدراجات النارية لمراقبة الطرق من خلال أكمنة متحركة لا ثابتة.
وكشف وهدان عن أهمية إعادة مسؤولية تخطيط المرور والإشراف عليها إلى أساتذة كليات الهندسة وأن يقوم رجال الشرطة بتطبيق المسؤولية الرقابية فقط، داعيا إلى اتخاذ عدد من الخطوات المكملة الأساسية ومنها إصلاح الطرق والمحاور دورياً من إعادة الأسفلت ومراجعة المطبات الصناعية، كذلك إنشاء شبكة لرصد حوادث الطرق والنقاط الخطرة، وتكثيف العمل على معالجة هذه النقاط.
استراتيجية جديدة
ومن جانبه، أشار مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر الدكتور محمد عبد الحليم عمر إلى أن المركز عقد مؤخرا ندوة بعنوان (إستراتيجية جديدة لحل مشكلة النقل والمرور بالقاهرة الكبرى) بالتعاون مع الجمعية العربية للنقل وبرعاية وزارة التنمية المحلية، تناولت الواقع المؤلم لحالة المرور بمصر وجميع العناصر المرتبطة به من طرق وتخطيط عمراني وكثافة سكانية وتنمية اقتصادية والخسائر الاقتصادية المترتبة على حالة المرور الحالية وكذلك الحوادث المرورية.
وكشف الدكتور محمد عبد الحليم عمر عن أن حجم الخسائر الناتجة عن حوادث المرور بلغت ما بين 4 إلى 5 مليارات جنيه تمثل 3 بالمائة من الناتج القومي المصري، فيما بلغت حالات الوفاة الناتجة عن تلك الحوادث في مصر حوالي ستة آلاف حالة سنوياً، فيما بلغت الإصابات نتيجة الحوادث المرورية حوالي 73 ألف حالة سنويا، فيما تبلغ حالات الوفيات في مصر 222 حالة لكل ألف كيلومتر، بينما المتوسط العالمي من 4 إلى 20 حالة لكل ألف كيلومتر.
وحذر عمر من مغبة عدم انتظام المرور في مصر وتسببه في خسائر اقتصادية كبيرة خاصة بالقاهرة التي يتواجد بها أكثر من 4 ملايين وسيلة نقل أكبر من استيعاب الشوارع نفسها، مشيرا إلى أن عدم انتظام المرور يؤدي إلى تحمل الكثير من التكاليف كالوقود المستهلك وضياع وقت المواطنين حيث يبلغ الاستهلاك المحلي لقطاع النقل في مصر 42 بالمائة من إجمالي استهلاك الوقود، بينما يبلغ المتوسط العالمي 26 بالمائة.
القاهرة ـ «البيان»