الثورة البرتقالية التي جاءت بحكم الرئيس فيكتور يوشينكو في أوكرانيا في نوفمبر عام 2004 كانت وليدا ضعيفا منذ البداية، لأنها لم تحظ بتأييد شعبي كبير في أوكرانيا، وقد انعكس هذا بوضوح في العام 2007 بعد أن ظهرت الانقسامات الحادة بين قيادات هذه الثورة، وخاصة بين قطبيها الرئيس فيكتور يوشينكو ورئيسة الحكومة الحالية يوليا تيموشينكا.

كما انعكس هذا بوضوح أيضاً في حرب القوقاز الأخيرة في أغسطس الماضي عندما خرجت سفن الأسطول الروسي من قاعدتها في ميناء سيفاستوبل الأوكراني على البحر الأسود لتحاصر شواطئ جورجيا، حيث هدد الرئيس يوشينكو هذه السفن بمنعها من العودة للميناء ووقفت رئيسة الحكومة تيموشينكا ترفض تهديداته بينما خرج الشعب الأوكراني يستقبل سفن الأسطول الروسي على الشاطئ بالترحيب والتهليل، بات واضحا أن موقف روسيا داخل أوكرانيا ليس ضعيفا، ثم جاءت قضية انضمام أوكرانيا وجورجيا لحلف الناتو، و التي طرحتها واشنطن في مؤتمر الحلف في بوخارست في فبراير الماضي وقوبلت برفض تام من الأوروبيين.

تشويه سمعة روسيا

والآن تأتي أزمة الغاز التي تصاعدت واشتعلت في الآونة الأخيرة بعد أن انقطع الغاز الروسي في أول يوم من العام الجاري عن أوكرانيا، وبعدها بأسبوع عن عدة دول أوروبية بسبب إغلاق موسكو لأنابيب إمداد الغاز لأوروبا التي تمر عبر أوكرانيا بعد أن ثبت أن أوكرانيا تسرق الغاز من الأنابيب، وطالبت موسكو بضرورة تشكيل لجنة دولية لمراقبة خط أنابيب الغاز في الأراضي الأوكرانية لمنع أوكرانيا من المساس به.

فاليري يازيف رئيس جمعية منتجي الغاز الروس يقول «إن الدور الأميركي واضح تماما في أزمة الغاز، حيث تريد واشنطن أن ينقطع الغاز الروسي عن أوروبا حتى تفسد العلاقات بين روسيا والأوروبيين، هذه العلاقات التي نمت في الفترة الأخيرة بشكل بات يشكل قلقا متزايدا لواشنطن التي أصبحت تخشى تماما من تزايد النفوذ الروسي في أوروبا بعد أن أصبحت روسيا المصدر الرئيسي للطاقة لأوروبا». ويقول يازيف «لم تجد واشنطن أفضل من نظام الرئيس يوشينكو في أوكرانيا لاستخدامه لإفساد العلاقات بين روسيا والأوروبيين، ويوشينكو الذي فقد شعبيته تماما يريد أن يثبت لواشنطن مدى ولائه لها لعلها تدعمه ضد خصومه داخل أوكرانيا، وخاصة ضد رئيسة الوزراء تيموشينكو التي تنوي التحالف مع المعارضة لإزاحته من الرئاسة».

رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين يدافع عن الموقف الروسي أمام الشركاء الأجانب قائلا للصحفيين «روسيا ومن قبلها الاتحاد السوفييتي السابق كان يتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال الغاز منذ عقود..وشبكة أنابيب نقل الغاز في سبعينات القرن الماضي كانت تصل بهدوء وانتظام إلى أوروبا الغربية، وطوال تلك الفترة كانت شركات الغاز الروسي تورد الغاز بالحجم المطلوب وفي الفترة المحددة وحسب الاتفاقيات الموقعة، ولم يظهر أي خلل في التوريد إلا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور دول الترانزيت بين روسيا والأوروبيين، هذه الدول التي تحكمه أنظمة سياسية ذات مصالح خاصة مرتبطة بأجندات أجنبية تهدف في الأساس تشويه سمعة روسيا التجارية في أسواق الطاقة».

الشراكة مع واشنطن

ويشرح بوتين نقطة الخلاف حول سعر الغاز بين روسيا وأوكرانيا قائلا «أود أن ألفت اهتمامكم إلى أن أوكرانيا وخلال السنوات الماضية كانت تحصل على الغاز بسعر ينقص كثيرا عن سعر السوق في الأسواق العالمية. عندما كنا نصدر الغاز إلى أوروبا بسعر مئة أو مئة وخمسين أو مئتي دولار لكل ألف متر مكعب كانت أوكرانيا تشتري الغاز الروسي مقابل أربعين أو خمسين دولارا لكل ألف متر مكعبْ، الآن لا يمكن الاستمرار على الأسعار الرخيصة للغاز، خاصة وأن عملائنا الأوروبيين الذين يشترون منا بالسعر العالمي يرفضون أن نبيع لغيرهم بسعر أقل، وهذا حقهم، وهذا هو قانون السوق الحر الذي تلتزم به روسيا الآن».

ارتقبت أوروبا في 13 يناير معاودة شحنات الغاز الروسي عبر أوكرانيا بعد قطيعة استمرت نحو عشرة أعوام عندما اضطرت شركة «غاز بروم» التي تدير الصادرات الروسية من الغاز إلى وقف إمدادات الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا لأن الأخيرة قامت بسرقة كميات كبيرة منه، وبالفعل ضخت شركة «غاز بروم» شحنة من الغاز المخصص لأوروبا إلى شبكة الأنابيب الأوكرانية في 13 يناير، إلا أن هذا الغاز لم يصل إلى الحدود بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، واتهمت موسكو شركة «نفط غاز أوكرانيا» المسؤولة عن إمداد أوكرانيا بالغاز الطبيعي ونقل الغاز من روسيا إلى أوروبا عبر الأراضي الأوكرانية بأنها هي التي استولت على هذه الشحنة من الغاز الروسي المخصص لأوروبا.

واعترفت شركة «نفط غاز أوكرانيا» في النهاية بأنها أقدمت على منع وصول شحنة الغاز الروسي إلى أوروبا، ولم يستبعد رئيس شركة «غاز بروم» الروسية أليكسي ميللر أن يكون الجانب الأوكراني قد تصرف على هذا النحو بإيعاز من بلد آخر، مشيرا إلى أن أوكرانيا والولايات المتحدة عقدتا اتفاق شراكة في ديسمبر الماضي، شبيه باتفاق الشراكة الإستراتيجي الذي عقدته واشنطن مع جورجيا في فترة لاحقة، وكأن واشنطن تتحدى حلفاءها الأوروبيين في حلف الناتو الذين رفضوا انضمام جورجيا وأوكرانيا للحلف خشية الدخول في مشاكل مع روسيا.

حل الأزمة إلى حين

ونفى شون ماكورماك المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية أن يكون للولايات المتحدة دور في النزاع بين أوكرانيا وروسيا حول الغاز. إلا أن تصريح ماكورماك جاء بمثابة تأكيدا لوقوف واشنطن وراء «جرأة» الإدارة الأوكرانية التي انتهكت اتفاقا توصلت إليه أوكرانيا وروسيا والاتحاد الأوروبي قبل أيام بمنع وصول المراقبين الأوروبيين والروس إلى مركز إدارة خطوط أنابيب الغاز الأوكرانية في منتصف يناير للتأكد من أن الغاز الروسي المخصص لأوروبا لا يسرق من قبل الجهات الأوكرانية.

على الساحة الداخلية في أوكرانيا تشتعل الخلافات بين مختلف الجهات السياسية.

ويوجه الجميع أصابع الاتهام للرئيس يوشينكو في تصعيد هذه الأزمة، وأيضاً ممثلو الدول الأوروبية الذين انقطع عنهم الغاز الروسي وجاءوا إلى موسكو وكييف لبحث تسوية الأزمة عادوا لبلادهم بقناعة تامة أن الجانب الأوكراني يتحمل المسؤولية الكاملة عن الأزمة لأنه رفض كافة الحلول المطروحة من جانب موسكو، ومن هنا بات واضحا أن الرئيس الأوكراني أصبح في وضع لا يحسد عليه بعد أن استنفذ كل أوراقه، الأمر الذي اضطر رئيسة الحكومة الأوكرانية يوليا تيموشينكا إلى اتخاذ خطوة المبادرة بالتوجه إلى موسكو يوم الثلاثاء الماضي للقاء رئيس الوزراء بوتين، وكان في انتظار تيموشينكا رزمة من الاتفاقات والوثائق بين شركتي الغاز الروسية والأوكرانية حول تصدير الغاز لأوكرانيا و حول ترانزيت الغاز الروسي لأوروبا عبر أراضي أوكرانيا.

الأزمة لم تنته بعد

وعبرت موسكو عن حسن نيتها وعدم تعنتها بموافقتها على بيع الغاز لأوكرانيا عاما أخر بسعر مخفض مراعاة لظروف الاقتصاد الأوكراني الذي يمر بأزمة حادة. و يبقى السؤال «هل انتهت الأزمة؟». المراقبون يرون أن أزمة الغاز لن تنتهي بين البلدين وإنما ستهدأ قليلا حتى يستجمع الرئيس الأوكراني يوشينكو أوراقه ويعيد حساباته، ويستعد لتصعيد خلاف آخر مع روسيا، ذلك لأنه بدون هذه الخلافات سيصبح مثل صديقه رئيس جورجيا ساكاشفيلي ورقة محروقة لدى واشنطن لا قيمة لها، ولا يستبعد أن يسعى الأميركيون أنفسهم لاستبداله.

وقد كشفت يوليا تيموشينكو، رئيسة الوزراء الأوكرانية، في تصريحات صحفية أن الرئاسة الأوكرانية تبحث فكرة تمديد فترة رئاسة فيكتور يوشينكو. وهناك سيناريوهات شتى لإبقاء يوشينكو في منصبه كرئيس للجمهورية أحدها افتعال أزمة مدفوعات الديون وإعلان حالة طوارئ. ولا يجيز الدستور الأوكراني إجراء الانتخابات بعد إعلان حالة الطوارئ إلا بعد إلغائها.

وفي معلومات تيمو شينكو أن المقربين من رئيس الجمهورية يريدون افتعال أزمة مدفوعات الديون تمهيدا لإعلان حالة الطوارئ من خلال تقدم شركة «مورغان ستانلي» الأميركية بطلب لاسترداد قرض قدره مليار دولار قدمته إلى أوكرانيا في عام 2007. وتواجه أوكرانيا أزمة مالية واقتصادية منذ أكتوبر 2008. ويجب إجراء الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا في نهاية عام 2009 أو بداية عام 2010. ومن المنتظر أن يتنافس على منصب رئيس الجمهورية ثلاثة مرشحين - الرئيس الحالي يوشينكو ويوليا تيموشينكو وزعيم حزب الأقاليم المعارض فيكتور يانوكوفيتش.

دبي ـ «البيان»