تقدم عدد من المنظمات القانونية العربية والعالمية ببلاغات إلى المحكمة الجنائية الدولية والى محاكم أوروبية لمطالبتها بفتح تحقيقات في جرائم إسرائيل في قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة ضمن دعوات وتحركات تستهدف محاكمة الدولة الإسرائيلية ومسؤوليها السياسيين والعسكريين الذين انتهكوا القانون الدولي بارتكابهم العديد من الجرائم خلال الحرب على غزة.

وكانت القمة العربية، التي اختتمت أعمالها في الكويت يوم الثلاثاء الماضي قد دعت إلى ملاحقة إسرائيل جنائيا. كما أكد الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بضرورة محاسبة إسرائيل قانونيا عن كافة الجرائم بما فيها السابقة على حرب غزة. وكررت نقس الطلب الحكومة الفلسطينية المقالة برئاسة إسماعيل هنية داعية المؤسسات القانونية العربية إلى توثيق الجرائم الإسرائيلية تمهيدا لإحالة قادة الاحتلال الإسرائيلي إلى المحاكم الدولية.

وعالميا دعت منظمات وشخصيات دولية إلى محاسبة إسرائيل، وفي مقدمتهم بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة الذي وصف الهجوم على مقر الاونروا بأنه هجوم وحشي مطالبا بمحاسبة المسؤولين عنه. ودعت المفوضة السامية لحقوق الإنسان نافي بيلاي إلى تحقيق دولي مستقل، كما أمر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتشكيل لجنة تقصي حقائق بعد مناقشات محتدمة عطلت فيها الدول الأوروبية إصدار قرار دولي بمحاكمة إسرائيل. ودعت منظمة العفو الدولية في بيان لها إلى وجود حاجة ماسة لإجراء تحقيق دولي مستقل.

وتعكف الوكالة الدولية للطاقة الذرية على دراسة الطلب الذي تقدم به السفير السعودي في فيينا للتحقيق في استخدام إسرائيل لذخائر تحتوي على اليورانيوم المستنفد في حربها على قطاع غزة. والهدف من هذا الطلب الإعداد لمحاكمة إسرائيل دوليا. وفي إطار التحركات الدولية أعلنت أيضاً كل من فنزويلا وبوليفيا أنهما سوف تقاضيان إسرائيل دوليا.

إرادة سياسية وقانونية

وتكشف تلك الدعوات والمطالبات أن هناك اتفاقا عربيا وعالميا على أن إسرائيل ارتكبت عن عمد جرائم حرب في حق المدنيين الفلسطينيين، وأن التحقيق صار مطلبا واقعيا يستحق التحرك من أجله، لأن الجرائم صارت ظاهرة ومكشوفة، على خلاف ما سبق من حروب. كما تكشف هذه المطالبات عن تبلور إرادة سياسية وقانونية عالمية لملاحقة إسرائيل وقادتها المسؤولين عن هذه الجرائم أمام المحاكم الدولية من أجل معاقبتهم على جرائمهم ، ليس في قطاع غزة فقط ، وإنما كما قال عمرو موسى عن كل جرائمها السابقة.

وقد تنوعت الاتهامات التي وجهت إلى إسرائيل من جانب رجال القانون والناشطين في مجالات حقوق الإنسان طوال الحرب وبعدها، بين ارتكاب جرائم الحرب وجرائم الإبادة الإنسانية، وتتناول الاتهامات ارتكاب الجرائم التالية:

(1) تعمد استهداف المدنيين خلال الحرب، و قتل وجرح ما يزيد على الستة آلاف مدني أكثرهم من النساء والأطفال.

(2) استخدام أسلحة محرمة دوليا ضد المدنيين مثل الفوسفور الأبيض.

(3) تدمير البنى التحتية المدنية في غزة، وشملت هذه البنى المساجد و المدارس والجامعات والمستشفيات والطرق والجسور ومحطات الكهرباء.

(4) حرمان الجرحى من الحصول على الرعاية الطبية اللازمة خلال الحرب، إلى جانب استهداف الطواقم الطبية والمسعفين.

(5) اتخاذ المدنيين دروعا بشرية خلال الحرب مما عرضهم للخطر.

(6) قصف مقرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التابعة للأمم المتحدة أكثر من مرة، مما أسفر عن سقوط قتلى مدنيين، كانوا يحتمون بها من أثناء الحرب.

شهادات موثقة

وقد قدم العديد من المنظمات و الناشطين العرب والمسؤولين الدوليين شهادات مقترنة حول الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل خلال الحرب، من ذلك منظمة العفو الدولية التي قالت على لسان مالكوم سمارت مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا(8يناير) ان الجنود الإسرائيليين دخلوا المنازل الفلسطينية واتخذوها مواقع لهم، واحتجزوا العائلات كدروع بشرية في إحدى الغرف السفلى، بينما استخدموا بقية الغرف قاعدة عسكرية للقنص مما عرض العائلات للمخاطر. وكشفت العفو الدولية أيضاً في (18 يناير) أن إسرائيل استخدمت قنابل الفوسفور الأبيض ضد المدنيين، وأنها تمتلك أدلة قاطعة تثبت ذلك ، مشيرة ان هذه الأسلحة حصلت عليها إسرائيل من الولايات المتحدة الأميركية منذ يوم 20 ديسمبر الماضي، كما تمت الموافقة الأميركية على شحنة أخرى يوم 31 ديسمبر، داعية إلى فرض حظر دولي على هذا النوع من القنابل.

واتهمت منظمة الصحة العالمية إسرائيل باستهداف المنشآت الطبية عمدا. ورأت في ذلك انتهاكا صارخا للقانون الإنساني الدولي، وقالت ان قوات الاحتلال الإسرائيلي قصفت ودمرت بعض مباني مستشفى القدس تدميرا تاما، إلى جانب ست عشر ة منشأة طبية أخرى بالقطاع. وحسب شهادات أدلى بها أطباء ومسعفون فان إسرائيل تعمدت منعهم من أداء مهامهم الإنسانية ، وقد اتهم باسم نعيم وزير الصحة الفلسطيني في الحكومة المقالة إسرائيل بتدمير إحدى عشرة سيارة إسعاف وقتل ثلاثة عشر طبيبا ومسعفا، وجرح أربعة وعشرين آخرين، أثناء أدائهم لمهامهم.

وكشف أطباء معالجون أن إسرائيل استخدمت في الحرب أسلحة جديدة غير معروفة من قبل تذيب جلود ولحوم البشر، حتى أنهم عجزوا عن إنقاذ الجرحى، مما أدى إلى وفاة عدد كبير منهم، وهذا الأمر اتفق عليه الأطباء الفلسطينيون والمصريون سواء ممن دخلوا إلى قطاع غزة تطوعا أو من استقبلوا الجرحى في المستشفيات المصرية ،ومنها مستشفى العريش الذي استقبل العدد الأكبر من جرحى غزة. ومن اجل ذلك انضم اتحاد الأطباء العرب إلى المنظمات العربية الداعية إلى التحقيق مع المسؤولين الإسرائيليين ومحاكمتهم.

الفوسفور الأبيض

وكشف خبراء أن إسرائيل استخدمت نوعا جديدا من الأسلحة يسمى (ضايم)، وهي أسلحة أنتجت في معامل وزارة الدفاع الأميركية، وسبق أن استخدمتها إسرائيل في حرب لبنان صيف عام 2006، وأن هذه الأسلحة هي التي تسببت في الإصابات الجديدة والقاتلة. وقد اضطرت إسرائيل بعد إنكار إلى الاعتراف باستخدام الفوسفور الأبيض الذي تسبب في قتل وتشويه معظم الضحايا المدنيين.

وقد أعلن الصليب الأحمر الدولي أن القصف الإسرائيلي أدى إلى هجر نحو ثمانية وعشرين ألف فلسطيني منازلهم والاحتماء بمدارس ومنشآت مؤسسة الأونروا. الا أن آخرين صاروا معزولين محاصرين في منازلهم ومناطقهم غير قادرين على تدبير احتياجاتهم الغذائية ، بل ان الصليب الأحمر عجز عن إغاثتهم بسبب الحرب.

ولم يسلم من لجأوا إلى الأونروا من المخاطر اذ قصفت إسرائيل خمس مدارس للأونروا مما أدى إلى مقتل نحو خمسين فلسطينيا أغلبهم من الأطفال. وقال مسؤولو الأونروا تعليقا على ذلك أنه لم يعد في غزة مكان آمن. وقال جون هولمز المسؤول عن المساعدات الإنسانية في الأمم المتحدة أن الحرب أدت إلى تشريد نحومائة ألف فلسطيني من جملة مليون ونصف المليون يعيشون في القطاع.

وقال جون حونج رئيس العمليات في وكالة الأونروا في غزة أن إسرائيل دمرت البنية التحتية للدولة الفلسطينية المستقبلية في الحرب. وحمل سلاح الجو الإسرائيلي المسؤولية عن هذا التدمير. و حسب اعتراف المصادر العسكرية بالجيش الإسرائيلي فان طائرات سلاح الجو قامت بنحو ألفين وخمسمائة طلعة جوية، ألقت خلالها نحو مليون كيلو جرام من القنابل على غزة، وهذا الرقم لايتضمن القذائف التي أطلقتها الدبابات والمدفعية والسفن الحربية وأفراد المشاة.

المتهمون

وأمام تصاعد الضغوط الدولية لمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب، بدأت إسرائيل في الاستعداد لمرحلة الملاحقات القانونية. واتخذت إجراءات دفاعية فقد كلفت الحكومة وزير العدل بتشكيل لجان قانونية متخصصة للتعامل مع الدعوات التي ستقام ضد إسرائيل وقادتها. وأعلن ايهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الحكومة ستوفر الحماية القضائية للضباط والجنود الذين شاركوا في الحرب. كما صدرت التعليمات إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية لمنع نشر أية معلومات أو بيانات عن قادة الوحدات التي شاركت في الحرب، خشية استخدامها قانونيا ضدهم في الخارج.

وصدرت أوامر إلى العسكريين بعدم السفر إلا بعد الحصول على موافقة النيابة العسكرية. وأفادت بعض الأنباء أن الخوف من الملاحقة القضائية كاد يتسبب في إلغاء زيارة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية ورئيس حزب كاديما إلى بروكسل والتي تمت قبل أيام، ولم تسافر ليفني إلا بعد أن اطمأنت إلى سلامتها..وذلك لأن اسمها يأتي على رأس قوائم المسؤولين الإسرائيليين المتهمين بارتكاب جرائم الحرب والإبادة الإنسانية في غزة.

وتشمل قوائم الاتهام العربية والدولية أسماء ساسة آخرين، منهم رئيس الوزراء ايهود أولمرت، ووزير الحرب أيهود باراك، ووزيرى الحرب السابقين عمير بيريتس وبنيامين بن اليعازر،ووزير الحرب السابق والنقل الحالي شاؤول موفاز، ورئيسا الأركان السابقين دان حالوتس وموشيه يعلون، ورئيس الشاباك السابق كرمي جيلون، ورئيس الأركان الحالي غابي أشكنازي، وقائد سلاح الجو السابق اليعازر شكيدي، ووزير الأمن الداخلي الحالي آفي ديختر، ونائب وزير الحرب الحالي متان فلنائي، وقائد اللواء الجنوبي الأسبق الجنرال دورون الموغ. وسوف تضم القائمة أسماء عسكريين آخرين ممن شاركوا في الحرب على لبنان عام 2006 وعلى غزة.

أجواء مواتية

وتعد هذه الخطوة ذات أهمية كبرى، وكذلك الجهد الذي تستلزمه لوضع المتهمين في قفص الاتهام، خاصة وأن الأجواءالدولية صارت مواتية ، فالغضب الشعبي الدولي الذي صاحب الحرب بسبب المشاهد التي تابعها العالم على الهواء مباشرة تعطى مصداقية للاتهامات ضد إسرائيل، إلى جانب أن الأجواء الأميركية التي صاحبت تولي الرئيس أوباما الحكم في الولايات المتحدة تعلي من شأن القانون والحقوق الإنسانية. فالرجل قرر إغلاق معتقل جوانتانامو، وأمر بوقف التعذيب الذي كانت تلجأ إليه الأجهزة الأميركية ومنها وكالة الاستخبارات المركزية في استجواب المعتقلين.

كما أنه تعهد في خطاب تنصيبه بالإعلاء من شأن المبادئ والأخلاق ، وهو في ذلك ينطلق من خبراته القانونية. وهذه الإجراءات كلها عناصر ايجابية تصب في مصلحة إشاعة لغة القانون ضد الخارجين عليه من الدول والأفراد. وأوباما نفسه أدلى بتصريح لوكالة الأنباء الفرنسية يوم الأحد(11 يناير) أي قبل توليه الحكم، قال فيه أنه لايستبعد ملاحقة مسؤولين في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش قانونيا، إذا ما ثبت ارتكابهم لتجاوزات في الحرب على الإرهاب، مؤكدا أن لا أحد فوق القانون.

يضاف إلى ذلك أن لإسرائيل سجل أسود في عدم احترام القانون الدولي، وفي مجال حقوق الإنسان. وهذا ما أعلنه صراحة من فوق منصة الأمم المتحدة ميجيل دي اسكوتو رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء انعقادها يوم الخامس عشر من يناير لمناقشة عدم التزام إسرائيل بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1860، فقد اتهم إسرائيل بعدم احترام قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، واتهمها بانتهاك القانون الدولي الإنساني وارتكاب مذابح في غزة. ويصب في هذا الاتجاه أيضاً الزخم العالمي من جانب منظمات حقوق الإنسان، والعديد من المنظمات القانونية التي سعت بالفعل إلى توثيق جرائم إسرائيل على أرض المعركة ، والمطالبات الأممية المساندة لمبدأ التحقيق المحاكمة.

عقبات متوقعة

وفي مقابل هذه الأجواء توجد عقبات متوقعة ، وفي مقدمتها عدم استمرار قوة الدفع العربية تجاه مثل هذه المشروعات، فقد سبق وأصدرت قمة بيروت عام 2002 مطالبات مماثلة وتعهدت بملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين دمروا الضفة الغربية آنذاك بأوامر من شارون، ورغم مضي ست سنوات لم تفعل الجامعة العربية ولا مؤسسة القمة شيئا مما تعهدت به.

وهناك العلة القانونية المتمثلة في عدم انضمام إسرائيل لعضوية المحكمة الجنائية الدولية. وهنالك أيضاً الضغوط المتوقع أن تمارسها كل من إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا من أجل تأمين الحصانة للمتهمين الإسرائيليين.ولعل الموقف الأوروبي المنحاز لإسرائيل في الاجتماع الأخير لمجلس حقوق الإنسان يكشف إلى أي مدى تستطيع أوروبا حماية إسرائيل، فقد رفضت إدانتها وعطلت تشكيل لحنة تحقيق دولية تذهب إلى غزة، بل أنها رفضت أيضاً استخدام مصطلحات من نوعية جرائم حرب في القرار الصادر من المجلس، ومثل هذا أيضاً فعلت الولايات المتحدة من أجل تعطيل إصدار قرار ملزم لإسرائيل بوقف إطلاق النار في غزة. ومن المستبعد وفقا لذلك أن يصدر مجلس الأمن قرارا بمحاكمة إسرائيل.

يضاف إلى ذلك التصريح الذي أدلى به المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو يوم الجمعة الماضية(23يناير) بأن المحكمة لاتملك الاختصاص لنظر دعاوى تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة، وذلك بعد لقائه بوزير العدل الفلسطيني على خشان الذي ذهب لمقاضاة إسرائيل. ولكن كل هذه العقبات لا تعني التخلي عن الحق العربي، إذ يمكن،وفقا لما أعلنه قانونيون ضالعون في القانون الدولي والقانون الجنائي الدولي، ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين بصفتهم أمام المحكمة ذاتها أو أمام المحاكم الأوروبية.

وهكذا فان الطريق طويل، ولكن يضيع الحق العربي مادام هناك من يصر عليه. ولولا خوف إسرائيل وتضعضع موقفها القانوني ما ترددت ليفني في السفر، وما بدأت إسرائيل في التحوط لحماية مسؤوليها السياسيين والعسكريين.ولقد قال العرب الأقدمون إن طول الصبر يبلغ الأمل، فهل نبدأ الآن؟

خسائر ودمار

كشف جهاز الإحصاء الفلسطيني أن غزة تكبدت خسائر مادية تقدر بنحو مليار وتسعمائة مليون دولار. وقدرت الحكومة المقالة أن غزة تحتاج إلى مليار دولار لإعادة الإعمار. فقد بلغ عدد المباني السكنية المدمرة تماما ألف مبنى، بينما بلغ عدد التي تضررت جزئيا وتحتاج إلى إعادة ترميم نحو خمسة وعشرين ألف بناية. أما عدد المباني العامة المدمرة نحو خمسمائة مبنى. وقالت وزارة الأوقاف الفلسطينية أن عدد المساجد التي دمرت يصل إلى اثنين وتسعين مسجدا منها واحد وأربعون مسجدا دمرت بشكل كلي، وأن بعضها قصف أثناء الصلاة مما أدى إلى مقتل ستة عشر مصليا وجرح عشرات آخرين.

أحمد الكناني